المنتدى العسكري العربي
عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة

مرحبا بك في المنتدى العسكري العربي

يرجي التكرم بتسجيل الدخول اذا كنت عضو معنا او التسجيل ان لم تكن عضو وترغب في الانضمام الي اسرة المنتدى

سنتشرف بتسجيلك

شكرا

ادارة المنتدى
المنتدى العسكري العربي
عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة

مرحبا بك في المنتدى العسكري العربي

يرجي التكرم بتسجيل الدخول اذا كنت عضو معنا او التسجيل ان لم تكن عضو وترغب في الانضمام الي اسرة المنتدى

سنتشرف بتسجيلك

شكرا

ادارة المنتدى
المنتدى العسكري العربي
هل تريد التفاعل مع هذه المساهمة؟ كل ما عليك هو إنشاء حساب جديد ببضع خطوات أو تسجيل الدخول للمتابعة.



 
الرئيسيةأحدث الصورالقوانينالتسجيلدخول

شاطر
 

 كتاب " ابو نضال : بندقيه للايجار " بقلم الكاتب باتريك سيل

استعرض الموضوع التالي استعرض الموضوع السابق اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة

mi-17

مشرف
مشرف



كتاب " ابو نضال : بندقيه للايجار " بقلم الكاتب باتريك سيل  Unbena20كتاب " ابو نضال : بندقيه للايجار " بقلم الكاتب باتريك سيل  Unbena11كتاب " ابو نضال : بندقيه للايجار " بقلم الكاتب باتريك سيل  Unbena30
كتاب " ابو نضال : بندقيه للايجار " بقلم الكاتب باتريك سيل  Unbena23




كتاب " ابو نضال : بندقيه للايجار " بقلم الكاتب باتريك سيل  Empty
مُساهمةموضوع: كتاب " ابو نضال : بندقيه للايجار " بقلم الكاتب باتريك سيل    كتاب " ابو نضال : بندقيه للايجار " بقلم الكاتب باتريك سيل  Icon_minitimeالثلاثاء يونيو 21 2016, 14:53

الحلقه الاولى 

كان إنذار الأمم المتحدة لصدّام حسين ينتهي في منتصف الليل يوم 15 كانون الثاني يناير 1991. وفي غضون ساعات من انتهائه كان من المخطّط لعاصفة الصحراء ان تدمّر العراق بعنفٍ وشراسةٍ. وفي الليلة التي سبقت الموعد النهائي، في السابعة مساء 14 كانون الثاني يناير طلب ابو إياد صلاح خلف رئيس مخابرات منظمة التحرير الفلسطينية سيارته المرسيدس المصفحة ضد الرصاص ليذهب به سائقها من مكتبه وسط تونس الى منزل المسؤول عن أمن فتح هايل عبدالحميد ابو الهول الذي كان عاد قبل ذلك بيوم من بغداد مع ياسر عرفات.
كانت منظمة التحرير الفلسطينية تحاول بشكل محموم ان تتجنب او تستبق حرباً في الخليج شعر ابو اياد انها وشيكة الوقوع. وكان ياسر عرفات عقد طيلة ذلك اليوم مشاورات مليئة بالقلق في تونس مع مبعوثين فرنسيين، وايطاليين وجزائريين. وكان عاد لتوّه الى بغداد حيث توسّل الى صدّام حسين أن يعلن استعداده للانسحاب من الكويت. كان قادة المنظمة اعتنقوا صدّاماً، لكنهم كانوا يعرفون ان حرباً إذا نشبت فسوف تدمّرهم جميعاً. ولشدة ذعر عرفات ظلّ صدّام متصلباً. فعلى الرغم من الجيوش الهائلة التي كانت محتشدة ضده، بدا على صدام انه يعتقد ان الحلفاء لن يجرؤوا على مهاجمته، وأنهم حتى اذا فعلوا فسوف تكون قواته قادرة على صدّهم. وكان أبو إياد مريضاً من شدة القلق، فأراد الحصول على معلومات مباشرة من ابو الهول عن مزاج صدّام غير الواقعي الى حد مفزع. وكان يريد ايضاً مراجعة خطط منظمة التحرير الفلسطينية في حالة وقوع حرب.
وكانت دارة ابو الهول في ضاحية قرطاجنة الوريفة الظلال على بعد نصف ساعة بالسيارة من مكتبه تقريباً. وقد فتح احمد سعيد الذي كان مسؤولاً عن امن ابو الهول الشخصي في تلك الليلة باب الدارة وأدخل ابو إياد، الذي كان يصحبه فخري العمري، أحد كبار مساعديه في المخابرات. وكان هناك عشرة حراس آخرين مناوبين: واحد امام البيت، وآخر عند المدخل الخلفي، بينما تكدّس الآخرون معاً في غرفة صغيرة بالقرب من باب الحديقة متحلقين حول جهاز تلفزيون صغير جلبه محمود مرعي، سائق ابو إياد، من المرسيدس التي جاء بها. وكانت الليلة باردة ماطرة. وفي داخل الدارة وفي غرفة الحرس على حد سواء، كانت ازمة الخليج حديث الجميع. وكان أبو إياد وأبو الهول يعلمان أن صدّاماً يقامر بمصيرهم بشكل خطير ….
وكان الأمن حول البيت متراخياً، كما هو المعتاد في الترتيبات المحلية لمنظمة التحرير. فقد تُركت رشاشات الكلاشينكوف في السيارات الواقفة خارجاً، أو كُدست في خزانة في الزاوية. ولم يكن مدير أمن أبو إياد الشخصي فؤاد النجار، قد وصل مع "معلّمه"، بل جاء بعده بساعة أو نحوها.
ونهض احد هؤلاء الحراس، وهو شاب مهتاج يدعى حمزة ابو زيد، يتمشى خارج غرفة الحرس، وبدأ يفتعل شجاراً مع علي قاسم، الرجل المرابط على الباب الأمامي للدارة. وصدرت عن الاثنين ضوضاء بلغ من شدّتها ان جعلت احمد سعيد يصيح بهما طالباً منهما السكوت. ثم بحجة تناول منديل كلينكس من علبة داخل السيارة، فتح حمزة باب مرسيدس أبو إياد. وحاول علي قاسم أن يوقفه، فراهنه حمزة على ان رصاص رشاشه الكلاشينكوف يستطيع ان يخترق الدرع الذي يصفّح السيارة، فتحداه علي قاسم ان يجرؤ على المحاولة. وسرعان ما كانا يصطرعان ويتناطحان بحيث اضطر الآخرون الى فصلهما. ثم قال حمزة ان مصباح الضوء الذي فوق الباب الأمامي بدأ في الخفقان، وطلب من علي قاسم ان يقرع الجرس ليطلب من احدهم تبديله. لكن علي قاسم دفعه بعيداً.
وبعد لحظة، وعندما ابتعد علي قاسم قليلاً، هرع حمزة الى الباب وقرع الجرس بنفسه. ففتحت خادمة الباب ودخل. كانت الساعة الحادية عشرة الا ربعاً وقد توقّع علي قاسم ان يخرج ابو الهول ليوبخ حمزة على إقلاق راحته. ولكنه بدلاً من ذلك سمع اطلاق رصاص من داخل المبنى. فصرخ طالباً النجدة. فخرج الحرّاس مسرعين يبحثون عن اسلحتهم وتفرقوا لاحتلال مراكزهم وهم يظنون ان الهجوم قد جاء من الخارج. واستغرق الأمر بضع لحظات قبل ان يدركوا ان اطلاق النار كان يأتي من داخل البيت.

"الاسرائيليون هنا"

وكانت زوجة أبو الهول نائمة في غرفتها، فأيقظها فجأة انفجار مصمّ الدويّ من الرصاص في غرفة الجلوس بالطابق الأرضي. كان حمزة أطلق النار على ابو إياد في رأسه وأصاب فخري العمري الذي حاول ان يتوارى خلف أريكة. وسمعت حمزة يصرخ مرات متتالية: "فليساعدك عاطف أبو بكر الآن". ثم سمعت زوجها يصرخ بدوره: "ماذا فعلت يا حمزة؟ ماذا فعلت؟". ثم سمعت رشقة من الرصاص، فرشقة أخرى. كان ابو الهول حاول ان يصل الى الباب، فأطلق حمزة عليه النار وأصابه في ساقيه. فتصارع مع حمزة، الذي أطلق عليه النار في معدته من مسافة قريبة.
وهرعت زوجة ابو الهول الى الغرفة المجاورة، حيث كانت ابنتها التي هي في السابعة عشرة من عمرها تجثم منكمشة في فراشها وهي ترتجف. فأخذتها بين ذراعيها بينما كانت تسمع صوت رجل يركض صاعداً الى الطابق العلوي. وسرعان ما اقتحم حمزة الغرفة وأغلق الباب وأقفله وهو يصرخ: "الاسرائيليون هنا! لقد اطلقوا النار على أبو الهول". وصرخت زوجة أبو الهول: "هل هو حيّ؟ دعني أذهب إليه".
- "إنه جريح. لا تسأليني أكثر من ذلك".
فجلست المرأتان في زاوية على الأرض. كانت البنت تبكي وامها تحاول أن تواسيها، بينما راح حمزة يذرع الغرفة، ويلتقط بعض الأشياء الصغيرة من على طاولة الفتاة، ويتفحصها ثم يعيدها الى مكانها وهو ينظر من النافذة. ولمعت ومضات مفاجئة من البرق وسمع صوت هطول المطر وانهماره من حافة السطوح. كان الظلام حالكاً دامساً في الخارج. اما الطابق السفلي فقد ران عليه الصمت.
وفجأة سأل حمزة الفتاة: "أهذا فراشك؟" وعندما لم تُجب الفتاة جأر فيها بصوتٍ عال: "أهذا فراشك؟" فلكزتها امها متوسلة بها ان تقول نعم.
وصرخ حمزة بغضب: "لِمَ لا يكون لي سرير كهذا؟ أو مقعد؟ أو غرفة؟ هل السبب أنني لست ابن أحد الأثرياء الفلسطينيين؟" ثم راح يصبّ جام غضبه وحقده على منظمة التحرير وقادتها الذين سمّاهم "عملاء، خونة، مأجورين، وحمأة متعفنة من الفساد". وسمعته زوجة ابو الهول يلعن عاطف ابو بكر، المنشق البارز عن منظمة ابو نضال، ويقسم على قتله. ثم اخرج من جيبه مظروفاً ومد يده الى داخله فتناول حبة وابتلعها. ثم ابتلع اخرى، وثالثة في غضون الساعات الخمس التي احتجزهما خلالها كرهينتين.
وسمعوا سيارات تصل الى البيت وأصوات اقدام تتراكض جيئةً وذهاباً. فقد وصل رجال الشرطة التونسية. فنزعوا اسلحة السائقين والحراس الفلسطينيين، ونقلوا القتلى والجرحى. كان ابو اياد والعمري ماتا. اما أبو الهول، الذي نزف كثيراً من دمه، فقد توفي على طاولة العمليات في المستشفى بعد ذلك بفترة وجيزة.
ورن جرس الهاتف في الطابق العلوي تكراراً. واخيراً اجاب حمزة. واستذكرت زوجة ابو الهول في ما بعد انه بدا هادئاً جداً ومقتنعاً تماماً بأنه فعل الشيء الصحيح. وسمعته يقول: "لقد قتلتُ ابو اياد. وانني احتجز عائلة ابو الهول رهينة، ولن أطلق سراحها حتى تأتوني بعاطف ابو بكر"، ثم اضاف: "لدي رسالة اليه".
وسلط رجال الشرطة التونسية طوفاناً من الضوء على المبنى، ثم صاحوا ينادونه بمكبر الصوت بعد ان غمروا النوافذ بالنور: "حمزة! يا حمزة! اطلق سراح المرأتين. لا نريد منك اي شيء آخر" وكرروا هذه الرسالة كلّ نصف ساعة ليعقبها صمت كصمت القبور. وتناول حمزة مزيداً من الحبوب من مظروفه.
وفي ساعات الصباح الاولى ناداه رجال الشرطة مرة اخرى قائلين انهم يريدون التفاوض معه، وسألوه عما يريد؟ فأجابهم انه يريد طائرة تقلع به الى خارج البلاد. فقالوا له ان عليهم ان يحصلوا على اذن بذلك من سلطات اعلى. وعندما عادوا قالوا له انهم يريدون منه شيئاً يحدد هويته. وعندما اقترح عليهم ان يرمي لهم بطاقة هويته من النافذة اجابوه ان المطر قد يتلفها، غير ان حواراً بدأ معه، وسرعان ما اقنعوه بالنزول الى الطابق السفلي وتسليم البطاقة اليهم من خلال الباب الامامي، الذي فتحه جزئياً. ثم سمعته زوجة ابو الهول يغلق الباب ويعود صاعداً الدرج يجر قدميه. ثم سمعت صوت رشاشه يطقطق ساقطاً على الارض. وعندها اسرعت الى ارضية الدرج، فرأته وقد تهاوى فاقد الوعي على الدرج. واكتشفت في ما بعد انه قد أُغمي عليه بفعل الغاز الذي رشّه رجال الشرطة في القاعة من الخارج، فركضت نازلة وتجاوزته وهو منطرح، وفتحت الباب ومكّنت الشرطة من الدخول.

سيرة حياة قاتل

كان حمزة ابو زيد مجرد شاب فلسطيني آخر له ماض مضطرب. "عنوانه الدائم" كما هو مسجل في ملفّه لدى منظمة التحرير الفلسطينية هو: دكان مصطفى سليم، خلف مدرسة البنات، مخيّم الوحدات للاجئين، الاردن.
وقد ولد في المخيم عام 1963، وقضى التسعة عشر عاماً الاولى من حياته هناك. كانت عائلته هربت من فلسطين عام 1948، تاركة منزلها في قرية السفيرية، بالقرب من يافا، امام زحف الجيوش الاسرائيلية الغازية. ومن مذكرتين داخليتين لمنظمة التحرير استطعت ان أتتبع حياة حمزة العقيمة الجوّالة في السنوات العشر التي سبقت قتله ابو اياد وزميليه في تونس. وهي تكشف الكثير عن اساليب عمل المنظمة، كما تكشف الكثير عن حمزة نفسه. ويبدو من معلومات هاتين المذكرتين ان حمزة عمل مع حركة فتح بين 1982 و1986 وتولى مسؤوليات امنية صغيرة، لحساب منظمة التحرير، في باكستان وتونس وبلغاريا وقبرص والعراق، كما عمل عام 1986 حارساً شخصياً لأبو الهول. لكن حمزة كان مشاكساً سيء السلوك ففصلته منظمة التحرير الى ان ظهر على السطح في ليبيا ربيع عام 1990 عندما زار مكتب منظمة التحرير عدة مرات في طرابلس، طالباً ان يأخذه ابو الهول في خدمته ثانية. وفي ايار مايو 1990 جاء ابو الهول الى ليبيا ليحضر حفل تأبين لتكريم ذكرى ابو جهاد، القائد العسكري في منظمة التحرير الذي اغتاله الاسرائيليون في تونس في نيسان ابريل 1988. واستطاع حمزة ان يرى ابو الهول، فألقى بنفسه تحت قدميه باكياً، متحسراً على حالته التي يرثى لها، ومتوسلاً ان يعود الى الخدمة. فرقّ له ابو الهول وأعاده الى تونس حيث عينه مرة اخرى حارساً شخصياً له في منزله. ولم يتم استجواب حمزة في اي وقت عن نشاطاته اثناء السنوات التي غاب فيها عن الانظار. وفي تشرين الاول اكتوبر 1990، وبحجة الرغبة في رؤية اخت له مفقودة منذ زمن طويل أخذ حمزة اجازة من ابو الهول كي يذهب الى ليبيا لمدة اسبوعين. وفي ذلك الوقت - كما اخبر مستجوبيه فيما بعد - كلفه شخص من منظمة ابو نضال يدعى باسم "غالب" بمهة قتل ابو اياد. وقال حمزة انه لم يرد ان يفعل ذلك بادئ الامر، لكن قيل له ان ابو اياد هو "مصدر الفساد" كله في الحركة الفلسطينية، وأنه هو الخائن "الذي استخدم عاطف أبو بكر لشق منظمة ابو نضال وأنه يجب ان يموت "لكي تعيش الثورة الفلسطينية".
وبعد الاغتيالات التي تمت في دارة ابو الهول ليلة 14 كانون الثاني يناير 1991 ألقت الشرطة التونسية القبض على حمزة واقتادته بعيداً لاستجوابه. ولم يُسمح لضباط منظمة التحرير بالاشتراك في الاستجواب، ولم يُعطَ لهم نص مكتوب لما قاله حمزة. كانت السلطات التونسية تخشى ان تكون الاغتيالات مقدمة لغارة اسرائيلية، او انها قد تُشعل اضطرابات وقلاقل شعبية. وكان التونسيون ذاقوا طعم العدوان الاسرائيلي في تشرين الاول اكتوبر 1985، عندما اقتحمت الطائرات الاسرائيلية مجالهم الجوي وقصفت مقر عرفات في تونس. تم تكرّر العدوان في نيسان ابريل 1988 عندما قام فريق اسرائيلي محمول بحراً باغتيال ابو جهاد في بيته. فكانوا حريصين عند ذاك على التقليل من شأن القضية بأقصى قدر مستطاع.
غير ان ياسر عرفات لم يقبل ذلك على الاطلاق، فأثار القضية مع الرئيس التونسي زين العابدين بن علي الذي قام، في شباط فبراير 1991 بتسليم حمزة الى منظمة التحرير لمحاكمته. وكان الاتفاق يقضي بابعاده من البلاد كي توفر منظمة التحرير على تونس الجدل والخلاف اللذين قد ينجمان عن محاكمته في محكمة تونسية. وأعلن طبيب تابع لمنظمة التحرير بعد فحص حمزة انه مدمن على المخدرات، فأعطاه خمسة اضعاف الجرعة الطبيعية المعتادة من المسكنات قبل ان تطير به طائرة خاصة الى صنعاء، عاصمة اليمن، حيث استجوبته منظمة التحرير وحاكمته واصدرت عليه حكماً بالاعدام. وكانت الفكرة هي ان تحضر زوجتا ابو اياد وابو الهول عملية الإعدام عند تنفيذها. لكن عملية الاعدام لم تنفذ علناً.
وفي حزيران يونيو 1991 عُثر على حمزة ميتاً في زنزانته. واعلن بعد ذلك ان حمزة اعدم.

ابو اياد يعترف

في اوائل صيف 1990، قبل تسعة اشهر من اغتياله، بعث الي ابو اياد برسالة الى لندن يقول فيها انه يريد ان يراني اذا تصادف ان جئت الى تونس. فأثار ذلك فضولي. ما الذي يمكن ان يريده؟ ولم اكن رسمت خطط اجازتي، وهكذا اتخذت - باندفاع لا شعوري - قراراً بأخذ زوجتي واطفالي الى فندق اعرفه خارج مدينة تونس. انا اعرف الشرق الاوسط جيداً. فقد ترعرعت فيه، وتنقلت في المنطقة، وكتبت عنها على مدى ثلاثين عاماً، كمؤلف ومراسل اجنبي لصحيفة "الأُبزرفر" اللندنية بشكل رئيسي. وكان اسهامي الاساسي في الموضوع كتابين عن سورية هما: "الصراع على سورية" الذي طبع لاول مرة عام 1965، وكتاب أحدث عن سيرة حياة الرئيس حافظ الاسد، أثار كثيراً من الجدل والخلاف. فقد منعه السوريون. والواقع برغم انني احب ان اعتقد أنه قد قُرئ بنهم شديد انه لم يسمح ببيعه علناً في اي بلد عربي، وقد عبّر الاسرائيليون ايضاً عن اعتقادهم انني كنت قاسياً عليهم. واعترض الاميركيون على انتقادي لسياستهم في الشرق الاوسط، وظن اللبنانيون المسيحيون انني بعتهم للسوريين، بينما شعر عرفات وغيره من الفلسطينيين انني لم أنصف قضيتهم عندما وصفت صراعهم مع الاسد. وقد خطر في بالي ان ذلك ربما كان ما يريد ابو اياد ان يفاتحني به بصراحة. وعندما كنت اقوم بابحاثي عن الاسد في دمشق التقيت وتزوجت ابنة ديبلوماسي عربي متقاعد. وبرغم هذا الارتباط بالعرب، فانني واثق من ان معظم قرائي يعتبرونني مراقباً مستقلاً، ليس له مصلحة ذاتية، ولا ولاء لجانب ضد آخر، ولا هدف خفيّ سوى ملاحقة تلك الطريدة المراوغة والمتقلبة المتهربة باستمرار دائم في الشرق الاوسط، وهي: الحقيقة التاريخية. كنت التقيت بأبو اياد عدة مرات من دون ان اعرفه جيداً ….
وقد ترك لديّ انطباعاً ايجابياً اكثر من مسؤولين فلسطينيين آخرين. فهو هادئ، يتكلم بلطف، ومتزن رصين، نوع من الرجال تأتيه السلطة وتناسبه بشكل طبيعي، وهو صاحب دماغ سياسي حاد الذكاء، واسلوب شديد الطلاقة آسر، وكان مدبّر الامور، ورجل المهمات السرية، وكاتم اسرار منظمة التحرير. وكان مثيراً للاهتمام في عدة جوانب. فهو معروف بأنه وطني ملتزم يقف على يسار فتح. وكان كذلك واحداً من اول الذين اوصوا، في مقابلة مع صحيفة "الموند" الفرنسية عام 1972 بتسوية بالمفاوضات مع اسرائيل ترتكز على حل بدولتين، حيث تعيش دويلة فلسطينية الى جانب اسرائيل، وتنسجم معها، وهي تسوية لم يكن معظم الفلسطينيين في ذلك الوقت مستعدين لقبولها بعد.
وكانت أم ابو اياد يهودية وقد ترعرع وهو يتكلم العبرية مع الاولاد اليهود الذين كانوا في مثل سنّه، ويلعب معهم على الساحل في تل ابيب.
هكذا كان الرجل الذي جئت لمقابلته في تونس في اوائل صيف عام 1990 … تناقشنا قليلاً حول كتابي عن سيرة حياة الاسد. وكما توقعت فقد كانت فيه اشياء لم تعجبه. كان يعتقد انني نظرت الى الاحداث من وجهة النظر السورية اكثر من اللازم. فان قُدّر لي ان اطبع نسخة جديدة، فان هناك بعض التصحيحات للوقائع كان يرغب مني ان اقوم بها. ولكن سرعان ما اتضح ان في ذهنه موضوعاً آخر. كان يريد ان يتحدث عن الارهاب، وبصورة خاصة عن ابو نضال.
قال وقد علت وجهه تكشيرة عابسة: "ان الغرب لم يقتنع بعد بأن منظمة التحرير الفلسطينية شريك لا غنى عنه لسلام الشرق الاوسط. وقد قلل من شأن القرارات التاريخية التي تبناها المجلس الوطني الفلسطيني في تشرين الثاني نوفمبر 1988 التي تذكر "الكفاح المسلح" مجرد ذكر، وذلك لأول مرة، كما فصّلت بوضوح مطلق استعداد منظمة التحرير للتفاوض على تسوية سلمية مع اسرائيل".
"ولكن كيف نجعل الغرب يرى ذلك"؟ في اعتقاد ابو اياد ان العقبة الكبرى هي الارهاب، وهو امر واجه الاسرائيليون به كل ذكر للتسوية السلمية. وان كان هناك رجل واحد مسؤول عن "تسويد سمعة" الفصائل الفلسطينية جميعاً فان هذا الرجل، في اعتقاد ابو اياد، هو ابو نضال.
وتحدث ابو اياد مطولاً عن ابو نضال ثم اعترف لي، بصورة غير عادية، "انني اشعر بالذنب لانني كنت مسؤولاً عن عدم التصدي للتهديد الذي يمثله ابو نضال في وقت مبكر اكثر. كان يجب ان اقتله قبل خمسة عشر عاماً. وانني اعترف بذلك الآن. لقد اردت ان اعتقد انه وطني انحرف عن الجادة، وانني استطيع ان اكسبه واعيده اليها. لقد ترددت زمناً طويلاً جداً اكثر من اللازم في الاقتناع بأنه خائن" ….

"الاختراق" الاسرائيلي

وحاولت ان استجوب ابو اياد أين أدلّته؟ فقال بطريقة تلطّف من حدة الموضوع انها "ليست مضمونة بشكل كامل. فعندما لا يكون لديك بلدك الخاص بك، ولا تستطيع السيطرة على المطارات، والموانئ، والحدود، والفنادق، وسائقي التكسيات، فان تجميع الادلة يكون صعباً. فمكافحة التجسس بشكل فعال تعتمد على السيطرة على البيئة بنسبة مئة في المئة وهذا ما لم تستطع منظمة التحرير ان تحققه أبداً". وقال ان منظمة التحرير لم تكن قادرة على مراقبة تحركات ابو نضال بدقة واحكام في العراق وسورية. اما في ليبيا فالامر اشد صعوبة. وحتى في لبنان وتونس. فرغم ان هذين البلدين يعجان بالعملاء الاسرائيليين، على حد قوله، لم يُسمح لمنظمة التحرير بالحصول على التسهيلات والمرافق التي تحتاج اليها. واضاف: "اننا نعلم علم اليقين بأن الموساد جاء الى هنا في تونس عندما وصلنا نحن في عام 1982 وأن للموساد بيوته الآمنة الخاصة به، واسلحته، واتصالاته".
ولم يكن ابو اياد مراهقاً فلسطينياً نصف ناضج وهو يتحدث اليّ، بل كان الرئيس القديم العتيق لمخابرات منظمة التحرير الفلسطينية. وبما انني كنت متشكّكاً، فقد رحت ادوّن ملاحظاتي بعناية. فقال: "لِمَ لا تكتب شيئاً عن هذا كله؟" فسألته هل يخبرني بما يعلم؟ هل يفتح لي سجل محفوظاته وملفات ارشيفه؟ وهل يساعدني في العثور على الهاربين من منظمة ابو نضال الذين يقال انهم مختبئون في تونس وغيرها تحت حماية منظمة التحرير؟ كنت حريصاً بصفة خاصة على مقابلة رجلين انشقّا عن ابو نضال وسط حملات علنية ملتهبة في تشرين الثاني نوفمبر 1989 ثم تواريا تحت الارض، احدهما هو عاطف أبو بكر، الرئيس السابق للمديرية السياسية في منظمة ابو نضال، والمعروف في الدوائر الفلسطينية كمفكر وديبلوماسي وشاعر، اما الثاني فكان شخصية مختلفة تماماً، وهو عبدالرحمن عيسى ورئيس مخابرات منظمته ابو نضال طيلة عشرين عاماً. فان كان هناك من يعرف اسرار ابو نضال، فهما هذان الرجلان. وسألت ابو اياد ان كان يستطيع ان يدبر لي امر الالتقاء بهما، فأجاب انه يستطيع ذلك في اي وقت أشاء.
وعدت الى لندن لأفكر جيداً في ما كنت أورط نفسي فيه. لم اكن صدّقت قصة ابو اياد، بل كنت اعتقد انها منافية للعقل وللطبيعة. غير انني خضعت لاغراء محاولة معرفته اكثر، والاطلاع على الكيفية التي يعمل بها عقله، والقاء نظرة على العالم الفلسطيني من الداخل. لقد كان واضحاً انه يريد ان يستعملني لفضح ابو نضال، الرجل الذي يكرهه الآن. والامر صحيح كذلك بالنسبة الى الهاربين المنشقين. فمن الواضح ان المعلومات التي سيقدمونها لي ستكون موجهة بانحياز الى جانب معين وليست موضوعية. فبعد النزاعات والانشقاقات، يرمي الثوريون بعضهم بعضاً بأشنع الاتهامات البغيضة ويخترعون القصص. ولكنني شعرت بأن لديّ من الخبرة القديمة في السياسة العربية ما يكفي لتمكيني من معرفة طريقي وَسَطَ المتاهة الملتوية. ترى هل استطيع ان ارى عدداً من الناس كافياً لتمكيني من تدقيق مادتي وفحصها واعادة تمحيصها؟ وهل استطيع ان اختبر مدى صحة ما اعلمه وأطلع عليه مع مختصين في شؤون المخابرات خارج الحركة الفلسطينية؟ وفي اي حال، فقد كان الموضوع مهماً الى درجة كافية جعلتني اشعر بأن عليّ، مهما حدث، ان اتوصل الى حقيقة الامر في ادعاءات ابو اياد ان استطعت. ومن المؤكد انني لم اكن اعرف ماذا اتوقع. ولم تكن لدي فكرة عن المكان الذي سيقودني اليه طريق البحث، غير انني شعرت بأنه حتى ولو لم اخرج منه بشيء، فانني سأملك فرصة تعلّم شيء ما عن واحد من اكبر الالغاز الغامضة في السياسة العربية: من هو ابو نضال وما هي حقيقته بالكامل؟ واخبرت ابو اياد انني سأعود الى تونس في وقت لاحق من ذلك الصيف.
وقبل ان اغادر لندن، بدأت اجراء بعض البحوث التمهيدية، فتحريت عن مراجع عن ابو نضال في اثنين من بنوك المعلومات فعثرت على روايات عن هجمات رجاله على عدة اهداف اسرائيلية فلا يمكن ان يكون ذلك من عمل "عميل اسرائيلي". غير انني تذكرت ان ابو اياد شدد كثيراً على اهمية اغتيال ابو نضال لعدد من الفلسطينيين البارزين. فقد استعمل عبارة رسخت في ذهني: "اننا في الغالب لا نكون متأكدين مما اذا كان القاتل هو الموساد ام ابو نضال. واعترف بأن ذلك يحيرنا". …
في مقابل تفسير ابو اياد لتصرفات ابو نضال كان هناك بالطبع تفسير بديل ومفهوم بشكل كامل. فلعل ابو نضال هو ببساطة ما قال عن نفسه: "رافض رفضاً كاملاً يرى ان عرفات خائن لمجرد تفكيره بتسوية مع اسرائيل"، ومستعد لاغتيال "الحمائم" الذين يؤيدون التفاوض مع اسرائيل.
وفي تلك الفترة اجتمعت في لندن بجنرال سابق في جهاز المخابرات العسكرية الاسرائيلية، وكان هو نفسه يقوم باجراء بحث حول موضوع آخر مختلف تماماً. وبعد حديثنا فاجأته بسؤال مباشر عما اذا كانت اسرائيل تخترق تنظيمات فلسطينية وتتلاعب بها، فنظر اليّ ملياً ثم قال: "اختراق نعم، اما تلاعب فلا". ثم توقف وأضاف بابتسامة صغيرة: "لا احد يعترف بذلك".

اللغز المحير

وعدت الى تونس مرات عدة في ذلك الصيف والخريف الذي تلاه عام 1990. وكان ابو اياد عند كلمته فوفى بوعده. وفي سريّة عظيمة، دبّر لي لقاء مع عاطف ابو بكر، وكان عندئذ مختفياً خوفاً من انتقام ابو نضال. وعاطف أبو بكر هو ابرز الهاربين من منظمة ابو نضال، وقد اثبت لي انه مصدر ومرجع لا يقدّر بثمن …
وحاولت اقناع شخص آخر من الهاربين البارزين، هو عبدالرحمن عيسى، الرئيس السابق لمخابرات ابو نضال، بالتعاون معي، وتحدثت معه هاتفياً في الجزائر، آملاً في زيارته هناك. ولكنه قال انه لن يتكلم الا في مقابل مبلغ كبير جداً من المال. وعندما ابلغت ابو اياد بذلك، ضحك وقدم لي اشرطة كاملة غير محررة لحديث طويل كان اجراه مع عيسى على مدى ساعات بعد ان انشق عيسى عن ابو نضال عام 1989. ولم يكن عيسى مدركاً لوجود ميكروفونات خفية، فلم يعلم بأن عملية استخلاص المعلومات منه كان يجري تسجيلها. وهكذا فعلى الرغم من انني لم اقابل عيسى بنفسي ابداً، فقد حصلت على روايته لقصة حياته كما حكاها هو لأبو اياد.
كما اوصلني ابو اياد الى الكثيرين من ضباط مخابراته، والى مدير محفوظاته في الارشيف، وهو رجل ممتلئ، ذو ذاكرة موسوعية. وخارج فلك مخابرات ابو اياد، تمكنت طبعاً من التحدث مطولاً مع كثير من الفلسطينيين الاخرين الذين سبق لهم التعامل مع ابو نضال او الذين كانت لهم به معرفة غير مباشرة. وكان اهم هؤلاء واكبرهم قيمة هو القائد الفدائي ابو داوود، الذي تشابكت خطوط حياته العملية مع حياة ابو نضال على مدى سنوات طويلة ….
كان معظم الهاربين الذين التقيت بهم يعيشون في خوف. وقد رُتبت لقاءاتنا خلال الاشهر في "بيوت آمنة" تابعة لمنظمة التحرير في تونس وضواحيها، يتم الوصول اليها بعد رحلات طويلة بالسيارات، وليلاً في العادة. وعلى الدوام، كان لدى الذين قابلتهم بنادق موضوعة في متناول ايديهم بسهولة على الطاولة بجوار مسجلتي، او مخبأة بشكل عفوي في فرش المقاعد والكراسي كان برفقتهم حراس شخصيون من الشباب مسلحون بالرشاشات. وعندما لم يكن هؤلاء الحراس في المطبخ يعدّون القهوة، كانوا يجلسون بتكاسل في الممر، او على الشرفات، حيث يستطيعون ان يراقبوا الطرق والمشارف المؤدية الى المكان.
وخلال عامي 1990 و1991 قادتني ابحاثي الى فنادق صغيرة في قبرص ومالطة، والى باريس ومرسيليا، والى ايطاليا والنمسا واليونان، والى مكاتب وشقق عدد من الرجال في العواصم الغربية المهتمة بمكافحة الارهاب. ولهؤلاء جميعاً شكري وعرفاني، وان كنت لا استطيع ان أسميهم.
ان هدفي من هذا الكتاب ان ارسم أدق صورة ممكنة لأبو نضال وللمنظمة التي ظل على رأسها طوال الاعوام السبعة عشر الماضية … ومن بين جميع رجال العنف في الشرق الاوسط المعاصر، يقف ابو نضال واحداً من اعتى الالغاز المحيّرة واكثرها اثارة للفضول. لماذا يَقْتُل؟ وبأمر من؟ وما التأثير الذي يُحدثه؟ وكيف استطاع ان يبقى وينجو طيلة هذه المدة ونصف مخابرات العالم السرية في أعقابه؟ ليس هناك تاريخ حياة في السنوات الاخيرة يلقي ضوءاً اكثر من حياته على حروب الشرق الاوسط السرية التي تكثر فيها الاحابيل القذرة والتي نادراً ما تكون الاشياء فيها على حقيقتها كما تبدو في ظاهرها.
هذه ليست قصة جميلة. انها رحلة الى عالم العنف الكالح البغيض تحت الارض، حيث المبادئ والقيم والرحمة العادية غير معروفة، وحيث الموت يترصد عند كل منعطف، ويتربص في كل زاوية.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

mi-17

مشرف
مشرف



كتاب " ابو نضال : بندقيه للايجار " بقلم الكاتب باتريك سيل  Unbena20كتاب " ابو نضال : بندقيه للايجار " بقلم الكاتب باتريك سيل  Unbena11كتاب " ابو نضال : بندقيه للايجار " بقلم الكاتب باتريك سيل  Unbena30
كتاب " ابو نضال : بندقيه للايجار " بقلم الكاتب باتريك سيل  Unbena23




كتاب " ابو نضال : بندقيه للايجار " بقلم الكاتب باتريك سيل  Empty
مُساهمةموضوع: رد: كتاب " ابو نضال : بندقيه للايجار " بقلم الكاتب باتريك سيل    كتاب " ابو نضال : بندقيه للايجار " بقلم الكاتب باتريك سيل  Icon_minitimeالثلاثاء يونيو 21 2016, 16:01

الحلقه الثانيه 

لما كنت حريصاً على التحقق من نظرية ابو اياد رحت اتعقب مسار ابو نضال، واسبر ماضيه، واستجوب كل من قابلته ممّن كانوا على معرفة به، وحاولت ان افهم شخصيته المعقّدة.
ووجدت ان ابو نضال رجل يصعب وصف مظهره على رغم ان مصادر عديدة اشارت الى كونه اصلع، وذا عينين وقّادتين، وأسنان جيدة، وأنه ذو ثقافة بسيطة، وصحة عليلة، ويعاني من قروح في المعدة ومن ذبحة صدرية. وهو يرتدي ملابس بالية غالباً ما تتكوّن من سترة تُغلق بسحّاب وبنطال عتيق.
ان اقامته الطويلة متخفياً تحت الارض لأكثر من عشرين عاماً، ما يشكّل رقماً قياسياً في عالم العمليات السرية، جعلت منه شخصاً يجفل من أي اتصال انساني. فهو خيالي لا يبالي بالحقيقة، ويعيش في عالم من العنف، والتضليل، والخوف. وهو، كسائر المنغمسين في عالم المخابرات الموحل المظلم، مدمن على المعرفة السرية، والقوة السرية. وهو استاذ في عمليات التنكر والاحابيل، لا يثق بأحد، وحيد، يحمي نفسه ويعيش متخفياً عن انظار الناس.
ومع ذلك فحتى أعداؤه يسلّمون بأن لديه قدرات تنظيمية فهو اداري بعيد النظر، ذو تفكير مالي سليم، وهكذا جمع ثروة تصل الى مئات الملايين من الدولارات. ويقول زملاؤه السابقون أنه قادر على العمل الشاق والتفكير الواضح فترات طويلة، وأنه قائد لا شكّ فيه، وعلى رغم انه يوحي بالولاء والتفاني، فانه يحكم منظمته المترامية الاطراف مثل طاغية.
وذات مرة في بداية حياته العملية، كان ابو نضال مشهوراً بوطنيته الناريّة التي لا تلين. اما الآن فشهرته من عمليات الاغتيال. ويقول البعض انه في منتصف الخمسينات من عمره بدأ يتلذّذ بسمعته كخارج عن القانون …
طفولة ابو نضال التعيسة وغير الآمنة قد تفسر حالته، فقد وُلد في ايار مايو 1937 في يافا، الميناء العربي العريق على ساحل البحر الابيض المتوسط في فلسطين وكان ابوه، خليل البنّا، مواطنا صلباً تكمن ثروته في بيّارات البرتقال الممتدة جنوب المدينة في بساتين ومزارع طيبة الرائحة. وفي كل عام، وتحت عينيه اللتين تشبهان عيني النسر كانت محاصيله من الحمضيات تعبأ في صناديق خشبية وتشحن الى اوروبا على خط للسفن من يافا الى ليفربول، افتتح في تسعينات القرن الماضي.
وكان الحاج خليل شخصية ابوية جليلة. فمن زوجته الاولى كان له احد عشر طفلاً سبعة اولاد وأربع بنات يعيشون في بيت شاسع من ثلاثة طوابق مبني من الحجر المنحوت، قريب من ساحل البحر بما يكفي لجعل الاولاد ينزلون لغطسة فيه بعد عودتهم من المدرسة. ولكي يهرب من حرارة الساحل الرطبة في الصيف، اشترى خليل البنّا بيتاً آخر في قرية جبلية بعيداً في شمال سورية، في الريف الأخّاذ الجمال بتلاله فوق ميناء الاسكندرون …
وذات صيف عادت عائلة البنّا الى منزلها في يافا بفتاة سورية شابة جميلة في السادسة عشرة. فافتُتن بها خليل البنّا وتزوّجها في شيخوخته، فغاظ بقية افراد عائلته. وكان ابنه الثاني عشر - الذي سيصبح في المستقبل "ابو نضال" - هو ابن هذه الفتاة وسمّاه صبري.
منذ البداية كان مركز صبري في البيت غير مريح. كان اخوته واخواته غير الاشقاء الاكبر منه يحتقرونه. والأسوأ من ذلك انه بعد وفاة ابيه عام 1945 أُخرجت امه من البيت في نهاية الأمر، ففقدها هي الأخرى. وكان في الثامنة من عمره، فبقي في بيت ابيه، ولم يكن هناك احد يعتني به، وكان معنى هذا الاهمال انه لم يتلق في الواقع اي تعليم. فترك المدرسة بعد الصف الثالث، وهو الى هذا اليوم لا يزال يكتب بيد طفل غير مدرّبة، وهذا ممّا يُحرجه …
وقد تصالح ابو نضال منذ مدة طويلة مع عائلة ابيه، التي يعيش بعض افرادها تحت الحكم الاسرائيلي في الاراضي المحتلة. فلديه اخت غير شقيقة تعيش في نابلس في الضفة الغربية، وهو يرسل لها مالاً بين الحين والآخر بطرق متنوعة. أما اخوه غير الشقيق، محمد البنّا، فهو تاجر فواكه وخضروات حسب تقاليد العائلة، ويقال انه على وفاق مع سلطات الاحتلال الاسرائيلية. ولديه ما لا يقل عن عشرين من بنات اخوته واخواته، موزعات حول العالم العربي، ومنهن عديدات تزوجن اعضاء من منظمته. لكن، من الذي يقدر على تخمين الأثر الذي احدثه على روحه ونفسيته فقدان امه وتعرضه للاذلال والرفض في وقت مبكر؟ ان مسحة القسوة في تكوينه والحاجة الى السيطرة على من حوله تشيران الى ظلامة يحملها ضد العالم قد تكون مرتبطة بالألم الذي عاناه في طفولته. وأولئك الذين يعرفونه جيداً يقولون بأنه يحتقر النساء، بل ويكرههن. ويبدو انه لا مكان لهنّ في منظمته المكونة بأجمعها من الرجال. فزوجات اعضاء المنظمة يبقين في عزلة، جاهلات بأنشطة ازواجهن. بل ليس من المسموح لهنّ ان يصادق بعضهن بعضاً او يتزاورن، كما هي العادة في الفصائل الفلسطينية الاخرى. بل ان زوجته نفسها، وهي امرأة صابرة تألمت طويلاً، ظلت سنوات تعيش حياة محصورة في الهامش، بعيدة عن المجتمع، بلا اصدقاء.

من البعث الى فتح

ومن المحتمل جداً ان تكون شخصية ابو نضال المليئة بالمرارة والانتقام تشكلت من الاهانات التي عانى منها وهو طفل، لكن كذلك من الأثر الذي احدثته عليه الكارثة التي حاقت بأسرته وبالمجتمع الفلسطيني بأسره نتيجة الهجرة اليهودية الكثيفة الى فلسطين والتي تُوجت عام 1948 بقيام اسرائيل …
كانت سنوات مراهقة ابو نضال في نابلس صعبة. فعاش على الصدقة من اخوته غير الأشقاء، الذين كانوا يكافحون من اجل البقاء وتدبير المعيشة. فعمل في اشغال موقتة وغير منتظمة، كنقل الرسائل والسلع للزبائن، ومساعد لكهربائي، كما اوضح لأصدقائه في حياته اللاحقة في ما بعد. وحاول ان يداوم في مدرسة حكومية بضعة اشهر، ولكنه ببساطة لم يستطع تعويض السنوات الطويلة التي فاتته، ولم تكن لديه نقود بل واجه السخرية هناك، مما اضاف الى سخطه. غير انه كان ماهراً وطموحاً. فحاول ان يقرأ بنفسه، وعثر على صحيفة اخبارية شبه سرية تسمى "اليقظة" التي كان الفرع الاردني المحلي لحزب البعث يطبعها بين الحين والآخر في الضفة الغربية. وكان البعث في الاردن فرعاً هو في الواقع اول فرع من نوعه في العالم العربي، للحزب الأم الذي أسسه ميشال عفلق.
ولم يكن البعث في الاردن حصل على ترخيص للعمل بشكل قانوني كحزب سياسي، فكان لا يزال سرياً الى حد ما، يلعب مع السلطات لعبة القط والفأر. ولكنه قاد الهجوم على النظام القديم في تظاهرات عنيفة. كان يطالب بحصة اكبر للفلسطينيين، وبقطع العلاقات التي تكبّل الاردن وتشده الى بريطانيا: القوة التي كان الفلسطينيون يشعرون بأنها خانتهم بتسليم وطنهم للصهاينة.
عام 1955، شنّ البعث حملة لابقاء الاردن خارج حلف بغداد الذي أوحت به بريطانيا، وفي عام 1956، اثناء حرب السويس، دعا الملك حسين للوقوف الى جانب جمال عبدالناصر. فكان هذا البعث هو الحزب الذي انضم اليه ابو نضال عندما كان في الثامنة عشرة. كان ذلك اول طعم ذاقه للسياسة المتطرفة المتشددة.
على ان هذه التجربة السياسية كانت قصيرة الأمد. ففي نيسان ابريل 1957 حاول بعض الضباط القوميين الاستيلاء على السلطة في عمان، فواجههم الملك حسين وقوات البادية المخلصة له. فوُضع الانقلابيون في السجون وارسلوا الى المنفى. وتأييداً لهم دعا البعث وغيره من الاحزاب الى مؤتمر في نابلس للمطالبة باعادة الضباط، وطرد مستشاري الملك وعكس مسار تحالفات الاردن بعيداً عن بريطانيا والولايات المتحدة وباتجاه مصر. وبالتهييج والاثارة والتظاهر ومواجهة نيران الشرطة عاش ابو نضال كل لحظة من تلك الاحداث الدرامية العاصفة. لكن الحلم سرعان ما تلاشى، وكانت الصحوة قاسية: فقد استعاد الملك حسين السيطرة، وتحطّم البعث باعتقالات جماعية وأُغلقت مكاتبه وعُطلت صحيفته. اما كبار رجالاته، بمن فيهم قائد الحزب عبدالله الريماوي، فقد هربوا الى سورية، بينما اختار الآخرون مثل ابو نضال التواري عن الانظار …
وترك ابو نضال حزب البعث، بعد ان عمل فترة في الخليج، ثم انضم الى حركة فتح. ولم ينضم ابو نضال الى فتح كجندي متواضع. فبما انه كان في السابق يدير "مجموعته" الخاصة، فقد ضمن له ذلك مكانة اعلى بدرجة او درجتين في سلم التنظيم. وبدا انه انطلق في حياته انطلاقة جيدة من نواح كثيرة. كان ملتزماً بشكل عاطفي عنيف بقضية المقاومة - ولكنه كان ايضاً مليئاً بالحيوية، وصحبته ممتعة. وفي احدى زياراته الى نابلس التقى فتاة وتزوجها، وهي هيام البيطار، من عائلة من يافا ومنفية كعائلته. وكانت افضل منه تعليماً، فقد دخلت المدارس وتعلمت الفرنسية. لكنها - حسب ذوقه - كانت مطيعة وسهلة الانسجام.

صداقة ابو اياد

وقعت حرب 1967، فغادر ابو نضال الخليج الى الاردن للالتحاق بصفوف حركة فتح هناك. لكنه عندما وصل الى الاردن لم يتجه - كما فعل كثيرون غيره - الى واحد من المعسكرات التي كانت فتح تقيمها على نهر الاردن، على مرمى رصاصة من العدو، بل هيأ لعائلته منزلاً محترماً في عمان. وخلال زمن قصير جداً، كان انشأ شركة تجارية تدعى "إمبكس". وسرعان ما اصبح مكتب "امبكس" في عمان نوعاً من "الواجهة" لفتح - مكاناً يستطيع فيه الناس ان يجتمعوا عند مجيئهم الى المدينة، ويستطيع ان يتسلم ويدفع اموالاً للفدائيين وعوائلهم. وكان ابو نضال يملك حساً تنظيمياً واضحاً ويستطيع عند الحاجة ان يعمل بلا كلل على مدار الساعة. وعلى رغم كل كلامه عن العنف الثوري كان انذاك منظّماً ومنهجياً، أي بيروقراطياً للكفاح المسلح وليس مقاتلاً. وهذه صفات لاحظها فيه ياسر عرفات وغيره من قادة فتح.
وفي تلك الفترة قام ابو نضال باتصال قُدّر له ان يترك على حياته أثراً واسعاً. فقد اصطفاه وصادقه ابو اياد، مسؤول المخابرات الأعلى في فتح. وفي حديثه معي في تونس صيف عام 1990 كان ابو اياد كعادته أبداً في الطلاقة والسخرية، يستذكر انه سمع باسم صبري البنّا بعد وقت قصير من حرب حزيران يونيو 1967. قال لي ابو اياد: "لقد زكوه لي كرجل مليء بالطاقة والحماس، لكنه بدا خجولاً عندما التقينا. غير انني عندما ازدادت معرفتي به، لمحت فيه مزايا اخرى. كان رفيقاً جيّد الصحبة، بلسان حاد سليط، واتجاه الى نبذ معظم بني البشر باعتبارهم جواسيس وخونة، وقد اعجبني ذلك. واكتشفت انه كان طموحاً جداً، ربما اكثر مما تسمح به له قدراته، وكذلك سريع الاهتياج، الى حد انه كان ينفعل احياناً الى درجة تفقده كل قدرة على المحاكمة العقلية المنطقية".
وراح ابو اياد يستمتع باستعداد ذلك الشاب لنقد كل شيء وكل شخص، ولم يكن ليستثني ياسر عرفات نفسه. ووجد ابو اياد ان صراحته تلك كانت منعشة. فقد كان يجرؤ على الكلام، وعلى ابداء وجهات النظر، وكان ابو اياد وقادة آخرون في فتح يتعاطفون مع تلك الصفات. كان صبرى البنّا يتصرف كما لو كان على قدم المساواة مع عرفات، وذلك لمجرد انه كان، قبل ان ينضم الى فتح، زعيماً لفصيل فلسطيني ضئيل. وبعد ان تبنّى صبرى اسماً حركياً هو "ابو نضال" راح يتردّد بسيارته في احيان كثيرة على وادي الاردن، نازلاً لزيارة ابو اياد في الكرامة، وهي قرية قريبة من النهر اقامت فيها فتح قاعدة عسكرية راحت تحاول منها تسريب الرجال الى الضفة الغربية المحتلة. كانت الكرامة مكاناً قذراً، وقد ذُعر ابو نضال من تعاسة الظروف البائسة التي كان يعيش فيها ياسر عرفات وأبو اياد. فلماذا يجب ان تكون خرائب هكذا؟ وعلى العكس، كان ابو اياد كلما ردّ الزيارة لأبو نضال في عمان ينزل في بيته النظيف المريح، فيتناول وجبة مشبعة، ويستحمّ، وينام جيداً، ويلعب مع طفلي مضيفه الصغيرين نضال وبادية.
في اواخر 1968، ومطلع 1969 اقنع ابو نضال ابو اياد بأن مواهبه يمكن استخدامها على افضل وجه في الديبلوماسية، وليس في الحروب الفدائية، وبذلك ضمن لنفسه منصباً في الخرطوم كممثّل لفتح في السودان. وبمجرد وصوله الى هناك عمل بجد ومشقة فأقام اتصالات بجميع الاطراف السياسية في السودان على اختلاف نزعاتها. وسرعان ما اصبح على علاقة طيبة بنظام جعفر النميري الجديد. كان النميري عقيداً في الخامسة والثلاثين وقد استولى على السلطة في الخرطوم صيف عام 1969. وكانت تلك اول وظيفة حقيقية يعمل فيها ابو نضال للقضية الفلسطينية …

المواجهة مع الاردن

لقد وقعت حادثتان عام 1968 كانت لهما اهمية كبرى على مستقبل العمل الفلسطيني في الاردن. الاولى في آذار مارس عندما عبرت نهر الاردن قوة اسرائيلية من 15 الف رجل، بدعم من الدروع والطيران، وهاجمت قاعدة فتح في الكرامة بقوة ساحقة. فأُزيلت القاعدة نفسها ومُسح جزء كبير من القرية، بخسائر فادحة. غير ان الفدائيين قاتلوا ببسالة، وبمساعدة الجيش الاردني استطاعوا ان يوقعوا خسائر كبيرة في صفوف الاسرائيليين. وفي وقت كانت المعنويات العربية في الحضيض في اعقاب 1967، فان حقيقة ان العرب صمدوا وقاتلوا مُجّدت كانتصار كبير. وزحف نصف سكان عمان ليحتضنوا من بقي على قيد الحياة من الفدائيين. وهرع الالاف لينضموا اليهم. وبالصعود الى قمة موجة من العاطفة الشعبية راح الفدائيون يتبجحون في انحاء عمان والمدن الاخرى بعجرفة دون اي اعتبار للسلطات المحلية. ولم يكن غريباً ان يرى الملك حسين في خيلائهم غير المنضبطة تهديداً له. فبدأ يفكر في احتوائهم.
وأما الحادثة الحاسمة الثانية فكانت اختطاف طائرة الركاب الاسرائيلية "العال" اثناء رحلتها المقررة من روما الى تل ابيب، وتحويلها الى الجزائر. وقد أُطلق سراح النساء، والاطفال، وغير الاسرائيليين الذين كانوا على متنها. ولكن ما غاظ اسرائيل هو ان الاسرائيليين الاثني عشر الباقين من بين الركاب ظلوا محتجزين 39 يوماً. ولم يفرج عنهم الا بعد ان بودل بهم 15 فلسطينياً كانوا معتقلين في السجون الاسرائيلية.
كانت هذه اول عملية فدائية من نوعها، فصارت نموذجاً بدائياً لعمليات كثيرة لاحقة. وكان الدماغ المخطط لها هو وديع حداد، الثوري الفلسطيني من صفد، والذي كان تخرّج كطبيب من الجامعة الاميركية ببيروت. وقد استبد به الغضب للعنف الذي تعرض له شعبه، فأقسم على استخدام العنف بالمقابل. ومع ثلاثة من اصدقائه وزملائه في الجامعة الاميركية ببيروت - وهم السوري هاني الهندي، والفلسطيني جورج حبش، والكويتي احمد الخطيب، والاثنان الاخيران طبيبان مثله - شكّل حداد حزباً سياسياً هو "حركة القوميين العرب". له فروع في دول عربية عديدة وكان شعارهم: "دم، حديد، نار - وحدة، تحرر، ثأر".
وبعد وقت قصير من بدء فتح "الكفاح المسلح" جمع حبش وحداد الاعضاء الفلسطينيين في "حركة القوميين العرب" في منظمة منفصلة صارت "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين" ولجأت الجبهة الشعبية الى الاعمال الفدائية الدرامية المثيرة والمذهلة، مثل خطف طائرة "العال"، مما اكسبها نفوذاً …
وفي هذه الاثناء، راح الفدائيون - وقد شعروا بالثقة بأنفسهم اكثر من اللازم - يدعون الى التمرد على الملك حسين وينادون باسقاطه علانية … وجاءت الازمة الطاحنة في ايلول سبتمبر 1970، عندما أرغمت الجبهة الشعبية، في حفلة خطف، ما لا يقلّ عن ثلاث طائرات على النزول فوق مهبط غير مستعمل في الاردن. فصمّم الملك حسين على القتال بعد ان استشاط غضباً، وأطلق نيران دباباته على الفلسطينيين، وطائراته الحربية على قوة سورية مدرّعة عبرت الى الاردن لدعمهم ولكن من دون حماس. فقتل مئات عدة من الفدائيين، واعتقل ثلاثة آلاف آخرون، واصيب حوالي عشرة آلاف فلسطيني بجروح. ويكفي القول ان الفدائيين خسروا - بجرة قلم - ملاذهم الحيوي في الاردن الذي كانوا يحلمون بالانطلاق منه لدفع اسرائيل بعيداً عن نهر الاردن، وبذلك يحررون فلسطين شبراً شبراً. وهكذا اضطروا الى التخلي عن الحلم وعن الاستراتيجية، بينما انغمست الحركة الفدائية في اعظم حزن وخيبة أمل …

ابو نضال في بغداد

وفي تلك الفترة، ايضا، وقبل صدامات ايلول سبتمبر 1970، وقعت خلافات عدة بين فتح وتنظيمات فلسطينية اخرى، بعضها مرتبط بسورية والبعض الآخر بالعراق. ولم يكن ابو نضال راضياً عن فوضى هذه الخلافات الفلسطينية فقد توقع في بداية 1970 حدوث المواجهة بين الفلسطينيين والملك حسين، ولذلك بدأ يلح على على ابو اياد لارساله كممثل لفتح في بغداد. وحدث ان كانت فتح بحاجة ماسة الى شخص في تلك اللحظة بالذات لتوضيح قضيتها للحكومة العراقية التي كان لها 14 الف رجل مرابط في الاردن، كجزء من "الجبهة الشرقية" التي لم تعش طويلاً، والتي كانت تضم مصر وسورية ذات يوم. كان زعماء فتح قلقين لمعرفة ما اذا كان يمكنهم الاعتماد على تلك القوات العراقية كي تقف معهم في حال وقوع مجابهة مع الملك حسين. ولجسّ نبض العراق كان عرفات وابو اياد اجتمعا سراًً في تموز يوليو 1970 مع اثنين من قادة النظام العراقي، هما عبدالخالق السامرائي عضو مجلس قيادة الثورة، والفريق صالح مهدي عماش وزير الداخلية، في معسكر عراقي قرب مدينة الزرقا الاردنية. كانا تلقيا تأكيدات بأن القوات العراقية ستقاتل معهم. لكن فتح كانت بحاجة الى شخص في بغداد يستطيع ان يطالب العراقيين بالوفاء بتعهدهم، شخص قدير وقوي بحيث يتصل بالرئيس احمد حسن البكر شخصياً، وبوزير دفاعه الفريق حردان التكريتي. وبدا ابو نضال الرجل المناسب لهذه المهمة.
وفي اواخر تموز يوليو 1970 تسلم ابو نضال منصبه الجديد في بغداد، تاركاً فوضى الاردن وراءه. ولكن ابو نضال فشل في مهمته. فعندما راحت دبابات الملك حسين تدكّ مواقع الفدائيين لم يحرّك العراقيون ساكناً. واستعرت المعارك بين الجيش الاردني والفدائيين عشرة ايام ولكن صيحات فتح اليائسة في طلب النجدة ذهبت ادراج الرياح فلم يسمعها احد في بغداد. وافلت عرفات من الاسر بصعوبة. اما ابو اياد، وزعيم بارز آخر من قادة فتح هو ابو اللطف فاروق القدومي فقد اعتقلهما الاردنيون. ولتحطيم معنوياتهما، جعلوهما يستمعان الى تسجيل لمكالمة هاتفية بين الملك حسين والفريق حردان التكريتي اكد فيها القائد العراقي ان القوات العراقية لن تتدخل، "وذلك بموجب اتفاقهما السابق". لقد خان العراقيون الفدائيين وتخلوا عنهم.
وكان زعماء فتح على موعد قريب مع صدمة اخرى. فبعد احداث ايلول سبتمبر مباشرة بدأ ابو نضال يهاجمهم من "صوت فلسطين" محطتهم التي تذيع من بغداد، وراح يتهمهم بالجبن في المعركة ويدينهم لأنهم وافقوا على وقف اطلاق النار مع الملك حسين. ولم يكن الرجل الذي اختصه ابو نضال بتهجمه بشكل خاص غير ابو اياد صديقه القديم، ومعلمه الذي اعطاه منصبه في بغداد.
واخبرني ابو اياد في تونس انه، وهو يسترجع كل ذلك، توصل الى الاعتقاد بأن ثمة شيئاً مهماً حدث لأبو نضال عام 1969 او1970 وجعله يأخذ هذا المنحى الجديد المشكوك بأمره. وراح يتساءل اذا كان تم تجنيد ابو نضال في الخرطوم من قبل المخابرات العراقية ام مخابرات اخرى.
عام 1971، عندما استمر ابو نضال في هجماته الاذاعية، قررر عرفات وزميله ابو جهاد خليل الوزير طرده من فتح. ولكن ابو اياد نصح بالتريث والحذر. فعلى رغم انه كان الهدف الرئيسي لنقد ابو نضال الجارح، الا انه شعر بأن من الخطأ ان يخسروا رجلاً قديراً للعراقيين، قبل ان يحصلوا على توضيح لتغييره موقفه بهذا الشكل. وبالاضافة الى ذلك فمن المحتمل ان يفسر العراقيون هذا الطرد بأنه انتقاد لهم. وبعد الصدام المرير مع الاردن كان ابو اياد يرى ان تتجنب فتح الصدام مع العراق كذلك.

لقاء عاصف مع البكر

عام 1972 دعا العراق حركة فتح الى ارسال وفد الى بغداد لمناقشة علاقاتهما. فتكوّن وفد فتح من ابو اياد وابو مازن وابو اللطف. وكان على رأس جدول اعمال المحادثات تخلي العراق عن مساعدة الفلسطينيين في الاردن في ساعة محنتهم. وروى لي ابو اياد في تونس عام 1990 ان ابو نضال كان في استقبالهم في المطار، لكن ابو اياد رفض ان يصافحه.
وسرعان ما انغمس اعضاء الوفد في مناقشات عميقة مع قادة العراق، وخصوصاً مع عبدالخالق السامرائي الذي كان وعدهم بتدخل القوات العراقية الى جانبهم، والذي كان مفهوماً ان يشعر بالحرج لأن الوعد لم ينجز.
وروى لي ابو اياد ما حدث: "اخذنا السامرائي لزيارة الرئيس البكر. وفي الطريق حاول ان يمهد لنا بتحضيرنا لما نتوقع فقال لنا محذراً: لن تتمكنوا من البقاء طويلاً. فالرئيس متعب. ولا تكلفوا انفسكم عناء احتضانه عند تحيتكم له. وكان اول ما صدمني عندما دخلنا مكتب البكر انه لم ينهض عن مقعده. وشعرت بأن السامرائي قد تزايد حرجه".
وكان الاجتماع بارداً للغاية وعندما اقترب من نهايته قال ابو اياد: "سيدي الرئيس. يبدو انك مشغول. فنرجوك ان تسمح لنا ان نستأذن بالمغادرة. لكن قبل ان نذهب اسمح لي ان اقول اننا صدمنا لقراركم بعدم دعمنا في الاردن، ولا شك ان ذلك القرار قد اتخذ من دون علمكم". فصرخ البكر بحدة: "لقد كان قراري! فقد اشرفت شخصياً على انسحاب القوات العراقية" عند ذلك شعر ابو اياد بأنه مضطر لسؤال الرئيس عن اسبابه فرد البكر: "انتم في المقاومة الفلسطينية لكم تسع ارواح كالقطط. فاذا قتلوكم فستنهضون ثانية. اما نحن فنظام! لقد كانت هناك مؤامرة عام 1970 لجرنا الى المعركة بهدف تدميرنا. ولو دمرونا لانتهينا"!
وقال لي ابو اياد: "كان هذا كل شيء. لم يستغرق الاجتماع اكثر من عشر دقائق. وما ان اصبحنا خارج الغرفة حتى أخذت ابو نضال فانتحيت به جانباً، فلعنته وشتمته، وصرخت به: أهذا هو النظام الذي تدافع عنه؟ وفي ذلك المساء ذهبت الى بيته، وكاشفته بالموضوع كاملاً أمام زوجته. قلت له انه ربط نفسه الى عجلة العراقيين. وكنت سمعت بأن له علاقة خاصة مع سعدون شاكر الذي كان مدير المخابرات العراقية آنذاك. وانفجر أبو نضال غاضباً لهذا الاتهام فقال لي محتجاً: "انا لست عميلاً لأحد". ولكن شكوكي ظلت مُلحّة. والواقع انني بدأت اعتقد انه كان اتصل بالمخابرات العراقية عندما كان في السودان، وأن تشوقه المتلهف لنقله الى بغداد لم يكن من بنات افكاره وحده".
ظل أبو اياد، حتى بعد هذه الزيارة ينصح زملاءه في فتح ان من الافضل لهم ان يحاولوا احتواء ابو نضال بدلاً من طرده، وألا يغامروا بدفعه الى احضان العراقيين اكثر. وكان أبو اياد لا يزال مولعاً به. ولكن - كما اخبرني - كان قلقاً مما كان يحدث له. كان فيه شيء يخيف. غير انه لم يُطلع زملاءه على مخاوفه هذه ….

"ايلول الاسود"

كانت حرب الارهاب والارهاب المضاد بين اسرائيل والفلسطينيين عامي 1972 و1973 ظاهرة جديدة، تختلف في جوانب عديدة عن العنف الذي سبقها والعنف الذي كان سيتلوها. فقبل عام 1972 لم تكن الهجمات على اهداف اسرائيلية واجنبية من عمل حركة فتح بل من عمل مجموعات متشددة كجبهة جورج حبش. فهكذا مثلاً تم هجوم الجبهة الشعبية في 26 كانون الاول ديسمبر 1968 على طائرة العال في مطار أثينا حيث قُتل اسرائيلي فردت اسرائيل بعد يومين بغارة كوماندوس على مطار بيروت، ودمرت 13 طائرة مدنية لبنانية، اي اسطول لبنان الجوي كله تقريبا. وهكذا كان ايضا خطف الجبهة الشعبية في 30 آب اغسطس 1969 لطائرة بوينغ تابعة لشركة "تي.دبليو.آي" في رحلة من روما الى تل ابيب وتحويلها الى دمشق. وقد تم بصورة هادئة تبادل راكبين اسرائيليين على متنها مع طيارين سوريين اسيرين. غير ان رد اسرائيل أخذ الشكل المعروف من غارات جوية، وقصف مدفعي، وهجمات ارضية على اهداف عربية وفلسطينية واصبحت الضربات الانتقامية أشد عنفاً عندما تولت غولدا مائير رئاسة الوزراء في آذار مارس 1969، مفتتحةً سياسة "الدفاع الفعال عن النفس" التي كان معناها البحث عن الفلسطينيين وتدميرهم قبل ان يهاجموا. وفي تموز يوليو 1970 اطلق عملاء الموساد صواريخ على شقة وديع حداد في بيروت لكنهم فشلوا في اصابته.
خلال عامي 1972 - 1973 حدث تغير مهم في النمط، عندما انضم متشددون من فتح، تحت راية "ايلول الاسود"، الى وديع حداد في الجبهة الشعبية ومعهم آخرون في حملة ارهابية واسعة النطاق. وكانت هناك اتجاهات ثلاثة يمكن تمييزها وتبينّها: كان بعض هؤلاء المتشددين يريدون قتل اسرائيليين، وكان آخرون يريدون ان يمارسوا ضغطا على الملك حسين لاطلاق سراح 3 آلاف سجين فلسطيني والسماح للفدائيين بالعودة الى الاردن، وفريق ثالث كان يريد مهاجمة اهداف اميركية، ولا سيما الخطوط الجوية وشركات النفط، "لمعاقبة" الولايات لمتحدة على دعمها لاسرائيل. وقد تركت "ايلول الاسود" تأثيراً كبيراً على ابو نضال. فقد أُعجب بعملياتها، لكنه لم يشترك فيها. والواقع ان شبابها تجاهلوه، فلم يكونوا يريدونه ان يشترك في عملياتهم، على رغم ان العديد من هذه العمليات جرى التخطيط لها في بغداد وانطلق منها، حيث كان ابو نضال يقيم. وكنوع من التحدي، ألقى ابو نضال بنفسه في خضم "العنف الثوري" ليثبت لأولئك الفلسطينيين الذين كانوا منهمكين فيه انه اقوى واكثر فاعلية. فالعمل السري، وتحديد نقاط ضعف العدو، ومن ثم ضربه بقوة كانت كلها متناغمة مع طبعه وتتفق مع الفلسفة التي كان عاكفاً على تطويرها آنذاك.
غير انه بحلول 1973، وبعد الاغتيالات والاغتيالات المضادة في "حرب الاشباح" هذه، كانت فتح واسرائيل مستعدتين لعقد هدنة غير رسمية. لقد تلقت فتح ما فيه الكفاية اذ خسرت بعض افضل رجالها. كما كانت في وضع افضل لاستعادة السيطرة على المقاتلين الفلسطينيين غير المنضبطين الذين كانوا ما يزالون متعطشين للعمل والانتقام. فمن جهة التفّ الرأي العام الاسلامي في لبنان حول المقاومة بكثافة بعد غارة اسرائيل على وسط بيروت. وهكذا شعرت المقاومة بأنها آمنة اكثر في لبنان. ومن جهة اخرى، فتحت حرب تشرين الاول اكتوبر 1973 آفاق تسوية سلمية، فاقتلعت ابرة اللسع من شعور الفلسطينيين بالخيبة والاحباط، وجعلت الارهاب يبدو غير ذي موضوع الى حد كبير.
يقال غالبا ان "ايلول الاسود" كانت ذراعاً سرية لفتح. بيد ان الحقيقة اكثر تعقيداً. فقد وافق بعض قادة فتح على اغتيال رئيس وزراء الاردن وصفي التل، وهو الحادث الذي دشّن اطلاق تلك الحركة العنيفة كلها. غير ان فتح لم توافق رسمياً على "ايلول الاسود" على الاطلاق، ولم تكن هذه حركة مركبة وتحت إمرة عرفات بل كانت اقرب الى طبيعة التمرد داخل فتح، كنوع من الاحتجاج يعبر عنه مقاتلون ساخطون على ما اعتبروه اخطاء وسلبية وسكونا من قبل قادتهم … وداخل فتح دافع ابو اياد عن اعضاء "ايلول الاسود" …

شو ان لاي يؤنب ابو نضال

في آذار مارس 1972 توجه ابو نضال على رأس وفد ضم صديقه ابو داوود في رحلة استغرقت عشرة ايام الى الصين وكوريا الشمالية من 28 آذار مارس الى 8 نيسان ابريل 1972. طاروا من الكويت الى شنغهاي، حيث اخذتهم طائرة خاصة الى بكين. غير انهم عندما اقتربوا من العاصمة اصطدموا بعاصفة، فلم يتمكنوا من الهبوط، وبدأوا يطوفون حول المدينة فراح ابو نضال يعبّر عن قلقه، ولتهدئته حاول ابو داوود ان يشاغله بلعبة شطرنج. ولكن - كما قال لي ابو داوود فيما بعد - ظل ابو نضال في حالة هيجان متفجر الى ان هبطت الطائرة في خاتمة المطاف.
كانت الصين منقطعة عن العالم، ومستمرة في معاناة مخاض "ثورتها الثقافية" المؤلم، فاستقبلت اعضاء الوفد الفلسطيني وكأنهم قادة الثورة الفلسطينية كلها. فرضي ابو نضال كلّ الرضا وظلّ على علاقة ممتازة بالصين طيلة العقد الذي تلا تلك الزيارة. ومما لا شك فيه ان خلافه مع السوفيات كان له دخل في دفء الاستقبال الذي خصه به الصينيون. فخلال اتصالاته بالديبلوماسيين السوفيات في بغداد نشأت لديه كراهية غريزية قوية للسوفيات، اما هم فقد وجدوه متهوراً اكثر من اللازم. وكان سبب الخلاف الرئيسي حدود الوطن الفلسطيني في المستقبل: كان السوفيات يؤيدون حدود عام 1967، بينما كان ابو نضال يحلم بحدود 1948، وينادي بـپ"بتدمير اسرائيل واستعادة فلسطين بكاملها".
وكما اخبرني ابو داوود، فقد جعل ابو نضال من عادته في المناقشات مع الصينيين ان يتملقهم في البدء، بهجوم لاذع عنيف ضد الروس، ما جعل رئيس الوزراء شو ان لاي يرد عليه في آخر الأمر: "انا لا اعتقد انكم قادرون على البقاء من دون مساعدة سوفياتية"، واستمر يؤنبه بتعقل قائلاً: "انهم قوة مهمة على المسرح الدولي. وعليكم ان تتعاملوا معهم. لكن حاولوا ان لا تصبحوا جزءاً من استراتيجيتهم الاقليمية".
ووقف الوفد الفلسطيني لالتقاط الصور التذكارية مع ماوتسي تونغ وشوإن لاي قبل الطيران الى كوريا الشمالية لاجراء محادثات والتقاط مزيد من الصور هناك مع كيم إيل سونغ. ولم يعد ابو نضال الى أي من هذين البلدين ولم يتلق فيهما تدريبات، كما يزعم بعضهم احيانا. ومع ذلك فقد زودته الرحلة بشعارات يتفوه بها، ورفعت من شعوره بالاهمية عند نفسه.
وكممثل لفتح في العراق، كان ابو نضال رسمياً يعادل ممثلي فتح الآخرين في كل من سورية، ولبنان، ومصر، وليبيا التي هي المراكز العربية الاساسية لنشاطها. ولكن بعد طرد الفدائيين من الاردن، صار المنصب العراقي اهم من المناصب الاخرى الى حد ما. ففي بغداد، تمكن ابو نضال من استحصال وثائق سفر عراقية لالوف من المقاتلين المنفيين وعوائلهم. وكانت الاسلحة تخزن هناك، وتتدفق التبرعات من المواطنين العراقيين العاديين. وكان التشدد السياسي والتطرف في الجو في ظل النظام البعثي الذي يتزعمه الرئيس احمد حسن البكر ونائبه صدام حسين. وكان من المحتم ان تصيب ممثل فتح الرئيسي في بغداد مسحة من نفوذ العراق الكبير في القضايا العربية.
ولكن، مع ضياع الاردن، من اين كان الفدائيون سيقاتلون؟ وأنّى يتسنى لهم الاشتباك مع العدو الاسرائيلي؟ ان الشيء المشترك الذي كان يجمع بين كثير من المقاتلين هو شعورهم بأنهم خرجوا من الاردن ظلماً، وان الملك حسين يجب ان يعيدهم الى هناك. وبين 1971 و1973 رفع الفلسطينيون اغصان زيتون كثيرة للملك حسين، وحاولوا ان يجعلوا وسطاء عرباً يشفعون لهم طالبين السماح لهم بمقاتلة اسرائيل بتنسيق كامل مع الملك اذا رغب في ذلك. ولكن الملك لم يكن يميل الى الثقة بالرجال الذين اقتربوا جداً من الاطاحة به، والذين قتلوا رئيس وزرائه وصفي التل، ولذلك رفض عروضهم رفضاً حاسماً.

خطة ابو داوود في الاردن

وهكذا كانت خلفية خطة ابو داوود الطموحة في شباط فبراير 1973 لقيادة فريق ضارب من 16 رجلاً داخل الاردن. وفي تفسيرات لاحقة، قيل ان الهدف كان مبنى السفارة الاميركية. غير ان الهدف في حينه كان توجيه ضربة للملك حسين نفسه، او على الاقل محاولة الضغط عليه ليطلق مئات الفلسطينيين. وتستحق عملية ابو داوود ان تروى بشيء من التفصيل لتأثيرها على مجرى حياة ابو نضال.
في المانيا الشرقية، تعلّم ابو داوود خدعة تفكيك سيارة وإخفاء اسلحة في تجاويف هيكلها. فشحن سيارات عدة بهذه الطريقة وساقها اعضاء فريقه الى داخل الاردن. ثم اطلق ابو داوود لحيته، وانتحل شخصية عربية في اجازة وعبر الحدود ومعه "زوجته" والواقع انها كانت زوجة واحد من فريقه، وتطوعت لهذه المهمة. ولدى وصوله الى عمان اتصل فوراً بعضو سري في فتح متروك في حالة "سبات" لوقت الحاجة، واسمه مصطفى جبر. ولكن من سوء حظ ابو داوود ان المخابرات الاردنية كانت "قلبت" جبر هذا للعمل لصالحها.
وقال لي ابو داوود بعد في تونس: "من اول لحظة رأيته فيها عرفت من النظرة التي في عينيه انه سيخونني. فأمسكت به من ياقته وهمست: اسمع يا مصطفى: اذا فكرت بافشاء امري فسأقتلك".
واذ احس ابو داوود بالخطر، قرر ان يضرب ضربته في غضون 24 ساعة. لكن لا بد ان مصطفى لم يضع اي وقت في تنبيه الاردنيين، لأن ابو داوود اعتقل وهو عائد من منزله.
وطوال اربعة ايام ظل ابو داوود خاضعاً للاستجواب، ولكنه لم يبح بشيء. وبطريق الصدفة اعتقل الاردنيون في اليوم الرابع شاباً في سيارة فارغة اشتبهوا في انه يهرب الماريجوانا. وكان عضواً في فريق ابو داوود وسيارته محملة بأسلحة مخبأة. وخطرت للأردنيين فكرة عرض ابو داوود على هذا الشاب ليروا ما اذا كان سيتعرف عليه.
وسألوا الشاب: "أتعرف من هذا؟"، فأجاب: "هذا ابو داوود لقد جئت الى هنا معه!".
وسحبوا ابو داوود الى غرفة الاستنطاق من جديد، وهم مصممون على ارغامه على الكلام. واعادوا ضربه ثانية لساعات يومياً طوال شهر كامل. وفي تلك الاثناء، ومن اعترافات الشاب تمكن الاردنيون من لملمة كل اعضاء الفريق الذين كانوا ينتظرون اشارة التحرك وهم في فنادق مختلفة. فصفوهم صفاً واحداً ورفعوا امامهم ابو داوود. كان وجهه متورماً، وساقاه وذراعاه مليئة بالكدمات والرضوض ولا حراك فيها. وكان رجل واحد فقط يعرف مكان اخفاء الاسلحة في السيارات. وقد انهار بعد اسبوعين من التعذيب. وفي تلك اللحظة انتهت اللعبة كلها وحكم على ابو داوود وفريقه جميعاً بالاعدام. وقد أُلبس ملابس الاعدام الحمراء مرتين، واخذ لينفذ به الحكم، وفي كل مرة يؤجل في الدقيقة الاخيرة.
ولم يبح ابو داوود بكلمة واحدة عن خيانة مصطفى جبر له بل على العكس، تظاهر انذاك انه لا يعرفه على الاطلاق. وفيما بعد، ومن اجل اصطياد مصطفى، ارسل له ابو اياد، اشارة من مصر زعم له فيها انه يريد القيام بعملية كبرى في الاردن بالفعل لتأمين الافراج عن ابو داوود. ولم يستطع الاردنيون ان يقاوموا اغراء محاولة اكتشاف ما الذي يفكر فيه ابو اياد وهكذا ارسلوا مصطفى جبر ليقابله في القاهرة. فاعتقل مصطفى هذا وتم تهريبه الى ليبيا حيث القي في السجن. وافرجت عنه فتح بعد ثلاثة اعوام، استجابة لتوسل والده العجوز. ولدى عودته الى الاردن عين مديراً للشؤون الثقافية بوزارة الاعلام.
وقال لي ابو داوود: "لقد اطلق سراحي بعد مدة ليست طويلة، نتيجة وساطات عدة. فقد وافق الكويتيون على دفع 12 مليون دولار للابقاء على حياتي. وارسل الثلاثي الحاكم، بريجينيف وكوسيغين وبودغورني برقية الى المسؤولين في الاردن. وفي عام 1973 عرف الملك حسين ان حرباً في الشرق الاوسط ستقع في غضون اسابيع ولم يكن يريد ان يظل الفلسطينيون معتقلين لديه اثناء الحرب. "وفي 18 ايلول سبتمبر 1973، قبل ايام قليلة من اندلاع حرب اكتوبر، أُطلق سراحنا جميعاً بعفو عام. وجاء الملك بنفسه الى زنزانتي وقال لي انني حرّ".
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

mi-17

مشرف
مشرف



كتاب " ابو نضال : بندقيه للايجار " بقلم الكاتب باتريك سيل  Unbena20كتاب " ابو نضال : بندقيه للايجار " بقلم الكاتب باتريك سيل  Unbena11كتاب " ابو نضال : بندقيه للايجار " بقلم الكاتب باتريك سيل  Unbena30
كتاب " ابو نضال : بندقيه للايجار " بقلم الكاتب باتريك سيل  Unbena23




كتاب " ابو نضال : بندقيه للايجار " بقلم الكاتب باتريك سيل  Empty
مُساهمةموضوع: رد: كتاب " ابو نضال : بندقيه للايجار " بقلم الكاتب باتريك سيل    كتاب " ابو نضال : بندقيه للايجار " بقلم الكاتب باتريك سيل  Icon_minitimeالثلاثاء يونيو 21 2016, 22:48

الحلقه الثالثه : 

جاري البحث عنها  كتاب " ابو نضال : بندقيه للايجار " بقلم الكاتب باتريك سيل  403934637
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

mi-17

مشرف
مشرف



كتاب " ابو نضال : بندقيه للايجار " بقلم الكاتب باتريك سيل  Unbena20كتاب " ابو نضال : بندقيه للايجار " بقلم الكاتب باتريك سيل  Unbena11كتاب " ابو نضال : بندقيه للايجار " بقلم الكاتب باتريك سيل  Unbena30
كتاب " ابو نضال : بندقيه للايجار " بقلم الكاتب باتريك سيل  Unbena23




كتاب " ابو نضال : بندقيه للايجار " بقلم الكاتب باتريك سيل  Empty
مُساهمةموضوع: رد: كتاب " ابو نضال : بندقيه للايجار " بقلم الكاتب باتريك سيل    كتاب " ابو نضال : بندقيه للايجار " بقلم الكاتب باتريك سيل  Icon_minitimeالثلاثاء يونيو 21 2016, 22:49

الحلقه الرابعه 

طوال 17 عاماً من 1974 الى 1991 أعطى العراق فسورية ثم ليبيا أبو نضال المأوى، والدعم التعبوي، والهدية الانفس من كل شيء: الأمن. استمر إشراف العراق اكثر من ثمانية اعوام، من 1974 الى 1983، وسورية ستة اعوام من 1981 الى 1987. اما اشراف ليبيا فهو مستمر الى هذا اليوم على رغم النفي الليبي الرسمي.
وكان هناك تداخل غريب في اوائل الثمانينات عندما قامت منظمة ابو نضال، بنقل قاعدة عملياتها تدريجياً من بغداد الى دمشق، وتجنّبت من الناحية الفعلية سيطرة اي من الراعيين. وكان ما جعل الوضع اكثر غرابة ان العراق وسورية كانا خصمين لدودين ما عدا فترة بضعة اشهر في 1978 - 1979 وكل منهما منشغل بالتهجم على الآخر ومحاربته.
غير ان لدى ابو نضال موهبة متفوقة في حشر نفسه في الفجوة الضيقة بين خصمين متنافسين. فهو ينتعش بصراعات الشرق الاوسط، ليس فقط بين اسرائيل والفلسطينيين، بل بين الدول العربية وفتح، بين العراق وسورية، بين ليبيا ومصر، بين العرب والغرب …
ازدهر ابو نضال بادئ الأمر في ظل النظام البعثي في العراق، وكان البعث استولى على السلطة في بغداد في شباط فبراير 1963، عندما ابرز نفسه، بدعم سري صامت من اميركا، بالمجازر الجماعية لأعضاء الحزب الشيوعي العراقي. وكما توحي ماريون وبيتر سلاغيت في كتابهما: "العراق عام 1958" ربما كانت وكالة المخابرات المركزية الاميركية هي التي زوّدت البعثيين بقوائم اسماء اعدائهم الشيوعيين. فهما يذكران في كتابهما: "ان الأكيد هو ان بعض قادة البعث كانوا على اتصال بشبكات المخابرات الاميركية". وعندما انتهى البعثيون من تصفية اعدائهم بدأوا يتشاجرون فيما بينهم، مما مكّن مجموعة من ضباط الجيش القوميين من الاطاحة بهم بدورهم في تشرين الثاني نوفمبر 1963. وعندئذ عاد الحزب الى الغوص تحت الأرض حيث بقي خمسة اعوام، من 1963 الى 1968. وفي هذه الاثناء تمّ تطهيره واعادة بنائه على يد شاب لا رحمة عنده ولا هوادة يدعى صدّام حسين. وفي تموز يوليو 1968، تسلّق حزب البعث عائداً الى السلطة في انقلاب دبّره احد اعضائه العسكريين، اللواء احمد حسن البكر، وهو ضابط معروف كان شارك في الاطاحة بالنظام عام 1958. وكان للبكر دعم بين صفوف هيئة الضباط، غير ان الدعم الأساسي الحقيقي جاء من جناح صدّام المدني في البعث.
وطوال اكثر من عقد، من 1968 الى 1979 حكم العراق معاً كل من البكر وصدّام حسين، اي الجندي ومسيّر الجهاز الحزبي، فقمعا فيه كل معارضة، وشحنا الجيش بالموالين لهما، وسيطرا عليه بالمفوضين السياسيين، وفرضا حكم البعث في كل زاوية من البلاد بواسطة جهاز امن قاس يرى كل شيء، وهو صنيعة صدام ومن عمل يديه. كان صدام منذ البداية هو "الرجل القوي في النظام"، وقد حمل لقب نائب رئيس المجلس الوطني لقيادة الثورة، متمتعاً بسلطات على كل شيء، وعلى كل شخص.
وعندما كان ابو نضال يعيش في العراق منذ عام 1970 فصاعداً، رأى عن كثب تنامي القوة البعثية والدولة العراقية نفسها، تموّلها عائدات النفط المتصاعدة منذ تأميم شركة نفط العراق في عام 1972 وارتفاع اسعار النفط في العام التالي. وكان الدعم الذي لقيه ابو نضال نابعاً في الأساس من البكر وليس من صدام حسين. وكان مقرباً لدى وزير خارجية العراق طارق عزيز، ولدى سعدون شاكر ابن خال صدام، الذي كان يومها مديراً عاماً للمخابرات، ولدى نائبه برزان التكريتي، الأخ الأصغر غير الشقيق لصدام. غير ان صدام حسين كان يميل الى الاستخفاف بأبو نضال. ولما كان ابو نضال سيء الخلق سريع الغضب فانه لم ينس اهانات صدام. ولم يكن الرجلان على علاقة طيبة ولا سهلة.
وكان النصف الثاني من السبعينات وحتى اواخرها هو اوج مرحلة ابو نضال العراقية. وفي ذلك الحين كان العراق هو مصدر الاثارة والشقاق في العالم العربي. فقد راح يزرع خلايا بعثية في طول المنطقة وعرضها للتحريض على الثورة ويتقرب الى موسكو بشكل حميم، ويعلن اكثر الآراء تطرفاً في الاشتراكية العربية، والوحدة العربية، والنزاع العربي - الاسرائيلي، في محاولة لانتزاع زعامة التشدد الراديكالي العربي من منافسته سورية. وبعد حرب تشرين الاول اكتوبر 1973 انتقدت بغداد محاولة ياسر عرفات للميل الى الاعتدال واعتبرتها خيانة، واستنكرت اتفاقية سورية لفصل القوات مع اسرائيل في الجولان عام 1974، وكذلك تدخل الاسد في لبنان بعد ذلك بعامين، وشجعت ابو نضال على اطلاق ارهابييه ضد سورية ومنظمة التحرير.
ولكن عام 1978 - 1979، في اعقاب تغير مناخ العراق السياسي، فقد ابو نضال فجأة حظوته. كانت المناسبة المباشرة لذلك توقيع اتفاقات كامب دايفيد في ايلول سبتمبر 1978، التي لعب فيها الرئيس جيمي كارتر دور العراب بين بيغن والسادات. ولم تكن اتيحت لصدام قبل ذلك فرصة بسط نفوذ يتجاوز حدوده، فاستغل فرصة "خيانة" السادات ليثبت وجوده في ميدان السياسة العربية، فعقد مؤتمر قمة في بغداد في تشرين الثاني نوفمبر من ذلك العام وهو مؤتمر اتخذ قرارات المقاطعة ضد مصر.
غير ان العقبة الكؤود امام طموحات صدام حسين كانت رعايته للإرهاب. وكانت واشنطن حثته على التخلي عن دعم الارهاب. وهكذا اصبح جهاز ابو نضال القاتل مصدر حرج لصدام في دوره الجديد كرجل دولة وسياسي عربي ودولي. وحتى على الساحة الفلسطينية صار من مصحلة صدام تماماً ان يتعامل مع ياسر عرفات وخطه الوسطي السائد.
وبينما كانت قمة بغداد منعقدة استدعى صدام عرفات وأبو اياد الى مكتبه ليوضح لهما خطوط سياسته الجديدة. وقد روى لي ابو اياد ما حدث: "تساءل صدام: ما هي خلافاتنا؟ الا تزالون منزعجين لأننا لم نتدخل لمساعدتكم في الاردن عام 1970؟ اشارة الى عدم تحرك القوات العراقية بينما كان الفدائيون يواجهون جيش الملك حسين لقد انتقدنا انفسنا منذ زمن على تلك الواقعة المحزنة المشؤومة، ونحن نعتبرها تاريخاً مضى. هل يغضبكم دعمنا لأبو نضال؟ استطيع ان اخبركم حالاً اننا لن نوافق على اية عمليات اخرى تشن ضدكم من بغداد. ولن نكون مسؤولين عن اعماله بعد الآن. وقد قلنا له ذلك. "ولكن لا تتوقعوا مني ان اسلمه اليكم"!

25 رجلاً لاغتيال ابو نضال

ومنذ ان أزاح صدام البكر المريض وتسلّم الرئاسة عام 1979، ادرك ابو نضال ان أيام منظمته في بغداد باتت معدودة. وبما انه لم يرغب ان يكون رهين اي نظام واحد، فقد بدأ يتقرب من سورية وليبيا سراً باتصالات تمهيدية. لكن، في الوقت الذي كان يتوقع الطرد من بغداد، انقذه موقتاً اندلاع الحرب الايرانية - العراقية في ايلول سبتمبر 1980. وكانت الحرب تعني ان العراق يحتاج دعماً اكثر من اي وقت مضى، ولا سيما من الغرب ومن الدول العربية. وبناء على ذلك كان ينبغي عليه ان يتخلص من ابو نضال، الا انه كان رجلاً ثميناً للعمل في خدمة بلد يخوض حرباً. كان العراقيون بحاجة الى اسلحة ومعلومات سرية. وكانوا يحتاجون الى ذراع خارجية. وكان ابو نضال مستعداً لأن يجعل من نفسه عنصراً مفيداً لمجهودهم الحربي. فعرض عليهم اغتيال بعض أعضاء المعارضة العراقية في الخارج. وقدّم نفسه كقناة سرية للاتصال مع سورية. اما في الداخل فقد راح يراقب الاعداء المخربين المحتملين، ثم ادخل نفسه كوسيط في تجارة الاسلحة التي امل ان يحقق منها ارباحاً شخصية.
وكان احد مساعدي ابو نضال رجل يدعى عبدالرحمن عيسى. وقد ابلغ عيسى منظمة التحرير الفلسطينية التي هرب اليها في تشرين الاول /اكتوبر 1989 "ان ابو نضال في ذلك الحين وعد العراقيين بأنه قادر على الحصول على دبابات "تي - 72" من بولونيا حيث كانت له اتصالات جيدة. واعتبر صدام ذلك خدمة هائلة، وهي خدمة أخّرت طردنا من بغداد في الواقع عامين او ثلاثة!". وقدّم العراقيون دفعة اولى من 11 مليون دولار اودعها ابو نضال في حساب سويسري خاص. لكن العراقيين غيّروا رأيهم بعد ذلك، فلم يعودوا يريدون دبابات، بل مدافع. ولم يكن ابو نضال قادراً على المساعدة في هذا المجال، ولكنه - على ذمة عيسى - لم يُعد اليهم الاموال ابداً. فكان ذلك احد اسباب طرده من بغداد في نهاية الامر …
انهمك ابو اياد وابو نضال في محاولات متبادلة ليغتال الواحد منهما الآخر. ففي نيسان ابريل 1980 القيت قنبلة على سيارة كان يُظن بأن ابو اياد يمتطيها في بلغراد. وعندما فشلت المحاولة، ارسل ابو نضال ثلاثة قتلة ليغتالوا ابو اياد في بيروت. وقد تمركز اثنان منهم، وقد تسلحا بالرشاشات، على سطح عمارة مقابل مكتبه. وكانا ينتظران إشارة من ثالثهم الواقف في الشارع كي يفتحا النار. غير ان هذا الاخير، واسمه نبيل، رُصد وهو متربص في موقعه في دكان حلاق قرب مكتب ابو اياد. وكان هذا الحلاق مأجوراً لدى ابو اياد. وعندما القى رجال امن ابو اياد القبض عليه عُثر معه على مسدس. وجيء به الى ابو اياد الذي صرف الحرس وجلس بمفرده معه.
وسأله: "هل حقاً تريد ان تقتلني؟"
فأجاب الشاب: "نعم"
"لماذا؟"
"لأنك خائن! فأنت من زمرة الزعامة التي خانتنا"، وراح نبيل يقذف الكلام المألوف الذي حقن به ابو نضال افراده.
ووضع ابو اياد مسدسه الملقّم على الطاولة ليكون بمتناول نبيل وقال له:
"إذا كنت مقتنعاً بأنه يجب ان اموت فاطلق الرصاص عليّ"
وهنا ازاح نبيل المسدس بعيداً، وانهار. لقد كان شاباً صغيراً مشوشاً تهاوت قناعاته حين وجد نفسه وجهاً لوجه امام الضحية المستهدفة. ولم يلبث ان وشى بشريكيه اللذين كشفا بدورهما عن عناوين بيوت ابو نضال الآمنة في بيروت وعن اسماء الذين يديرونها، فقامت منظمة التحرير الفلسطينية بالاستيلاء على تلك الابنية والقبض على من فيها. وتملك الغضب ابو نضال حين وجد ان هذه الممتلكات التي تقدر قيمتها بحوالي مليون دولار قد وقعت في يد منظمة التحرير.
وحين قرر ابو اياد ان يتخلص نهائياً من تهديد ابو نضال ارسل فريق اغتيال مؤلفاً من 25 رجلاً ليقتلوه في بغداد التي هُرّبت اليها رشاشات، وقنابل يدوية، وأجهزة اتصال لاسلكية.
وبعد مراقبة تحركات ابو نضال على مدى عدة اسابيع، قرر الفريق نصب كمين لسيارته على احد جسور نهر دجلة الذي يمر عليه كل يوم تقريباً. غير انه، قبل ايام من موعد الهجوم المخطط له، رصدت المخابرات العراقية خمسة من افراد الفريق وهم يتصرفون بشكل مريب على ذلك الجسر، واقتفت اثرهم حتى مكان اقامتهم حيث القت القبض عليهم. اما شركاؤهم الباقون فقد تفرقوا والغيت العملية. وحكم بالاعدام على اولئك الخمسة، غير ان الحكم لم ينفذ ابداً، وتمكّن ابو اياد، بعد خمس سنوات، ان يؤمن الافراج عنهم. وحين سرد عليّ القصة قال لي وهو يبتسم: "ان اثنين منهم هما من حراسي الشخصيين، ولا بد انك لمحتهما وانت داخل".
وعند هذا الحد، كانت العلاقات الودية بين الرجلين تحوّلت الى كراهية، ووضع ابو نضال في مجلته عموداً استمر بنشره سنوات طويلة ويشير فيه الى ابو اياد على انه "ابن اليهودية".

الاسد رفض مقابلة ابو نضال

وفي ذروة صراع الاغتيالات مع ابو اياد، أُصيب ابو نضال بنوبة قلبية استدعت نقله الى السويد لاجراء عملية جراحية. وقد دفع العراقيون الفواتير بسخاء. والى هذا اليوم لا يزال ابو نضال، كلما سعى الى كسب العطف، يبادر الى فك أزرار قميصه ليعرض آثار جراحته ….
بعد عملية القلب عام 1979، لم يعد ابو نضال يستطيع ان يتحمل حرارة صيف بغداد اللافحة، فاعتاد على قضاء اشهر عدة من السنة في بولونيا حيث نقل عائلته الى دارة واسعة على بعد ستين كيلومتراً خارج وارسو. ولم يكن يزور العالم العربي الا لماماً، وراح يتصل مع زملائه بواسطة مراسل. كانت تلك فترة نقاهة واستجمام واعادة تخندق. وسمى نفسه "الدكتور سعيد"، منتحلاً شخصية رجل اعمال دولي، وفي السنة الاولى من اقامته لم تكن السلطات البولونية تعرف من هو. كان غطاؤه شركة مقرها في وارسو واسمها ساس SAS، ولها فروع في برلين الشرقية وفي لندن، ومن خلالها كان يتاجر مع شركات الدولة البولونية. وكان من بين صفقات شركته هذه شراء 4 آلاف رشاش من طراز العقرب سكوربيون وبما ان البولونيين كانوا يبحثون بيأس عن عملات اجنبية، فقد اختاروا ان لا يدققوا كثيراً في الجهة المرسلة اليها تلك الاسلحة.
وتعود علاقة ابو نضال ببولونيا الى اتصالات كان اجراها مع السفارة البولونية في بغداد عام 1974. وعندما اخذ صراعه مع فتح يشتد، شرع باستخدام الرشاوى وتجارة السلاح لتقوية علاقاته مع اوروبا الشرقية. وفي اواخر السبعينات اودع ابو نضال عشرة ملايين دولار في مصرف بولوني فتحسّن مركزه في تلك البلاد.
استقر ابو نضال في بولونيا عام 1981 لأنه لم يعد يحس بالامان في العراق. فقد اشعرته السلطات العراقية بتغير موقفها بعدد من التحركات غير الودية. واعلمته بانها لن تصدر جوازات سفر عراقية لاعضاء منظمته اعتباراً من 1 كانون الثاني يناير 1981، وكان من نتيجة ذلك ان 120 من رجاله انتهت مدد جوازات سفرهم وجدوا انفسهم يواجهون المصاعب. وفي الوقت نفسه بدأت المخابرات العراقية تراقب المحادثات في مكاتبه ببغداد، ما ارغمه وزملاءه على الذهاب الى معسكر التدريب في الرمادي بعيداً عن بغداد كلما رغبوا في التخلص من هذه الرقابة التي تضايقهم. وكان في ذلك ازعاج مربك لا يستهان به.
ولعل هذه التطورات هي التي جعلته يأمر مساعده المقرب منه، عبدالرحمن عيسى، بجس نبض السوريين مطلع عام 1981، لاستطلاع رأيهم حول امكان الانتقال الى دمشق. وبين كانون الثاني يناير وايار مايو 1981 زار عيسى دمشق خمس مرات على رأس وفد صغير لاجراء محادثات متكتمة مع اللواء علي دوبا، رئيس المخابرات العسكرية، والعميد محمد الخولي رئيس مخابرات القوى الجوية، ووزير الخارجية عبدالحليم خدام. كان السوريون يريدون ايضاحات مفصلة لعمليات ابو نضال المعادية لسورية، بما فيها محاولة اغتيال خدام. وكان لدى سورية في السجون نصف دزينة من جماعته للاشتباه في تورطهم بالتخريب في دمشق في السبعينات. فأخذ عبدالرحمن عيسى من جانبه يلوم السوريين بعنف على تدخلهم ضد الفلسطينيين في لبنان، وعلى سكوتهم بينما كانت ميليشيات الموارنة تحاصر مخيم تل الزعتر ثم تذبح كثيراً من سكانه الفلسطينيين. ولكن الاتفاق تم في آخر الامر على ترك المستقبل يحكم على حسن نيات كل من الجانبين تجاه الآخر، فقد كانت هناك مصالح مباشرة اكثر الحاحاً.
كان ابو نضال بحاجة الى راع جديد، وكان يأمل في ان يطور مع سورية علاقة حميمة كالتي كان يتمتع بها ذات يوم مع العراق. فأمر عيسى بأن يطلب إذناً لفتح مكاتب في دمشق. اما سورية فكان لها من جانبها غرضان من التعامل مع ابو نضال. فقد رأت فيه اولاً حليفاً محتملاً في الحرب المريرة التي كانت تخوضها ضد الاخوان المسلمين وهي حرب تطورت لتصبح اخطر تحد واجهه نظام الاسد حتى ذلك الحين. فقد بدأ الاخوان المسلمون حملتهم من تفجير القنابل والاغتيالات ومحاولة التمرد عام 1977 وتابعوها بلا هوادة حتى عام 1982، عندما سحقهم النظام في خاتمة دامية مرعبة، ومعهم الوف المدنيين الابرياء في وسط سورية في مدينة حماة التي اتخذها المتمردون معقلاً لهم.
اوائل عام 1981، عندما فاتح عبدالرحمن عيسى سورية الامر، كانت حرب النظام ضد اعدائه في الداخل على أشدّها، وكانت علاقات سورية مع جاريها، العراق والاردن بلغت حضيضاً لم تصل اليه من قبل. لانهما كانا معروفين بتزويد الاخوان المسلمين بالاسلحة والاموال والتدريب والملاذ. وبدا ابو نضال في مركز جيد يستطيع من خلاله تقديم معلومات سرية عن نشطاء الاخوان ومؤيديهم في عمان وبغداد، وكذلك توجيه الضربات لقادتهم، الذين كان بعضهم يعمل من اوروبا. وكان ابو نضال يعلم كثيراً عن الاخوان المسلمين في بغداد. بل كان درّب بعض رجالهم في قاعدته في مدينة هيت، على بعد 300 كيلومتر شمال بغداد. وقد جاء آنذاك يقترح المتاجرة مع السوريين بهذه المعلومات كلها. ورأت سورية في ابو نضال اداة مفيدة لردع الملك حسين وياسر عرفات عن عقد اتفاق منفرد مع اسرائيل. فقد كان الاسد يتنازع مع الرجلين حول هذه القضية طيلة العام. كان يخشى انه اذا تفاوض الاردن ومنظمة التحرير على سلام منفصل مع اسرائيل فستصبح سورية معزولة ويتعرض امنها للتهديد. وكان الاسد يعتقد ان السلام الوحيد الذي يستحق ان يقام مع اسرائيل هو التسوية الشاملة التي تنسحب فيها اسرائيل من جميع المناطق العربية التي استولت عليها عام 1967، وان الطريقة الوحيدة لجلب اسرائيل الى مائدة المفاوضات هي ان يقف الفلسطينيون والاردن ولبنان وسورية ويواجهوا اسرائيل كتلة موحدة. وكان تجنيد رجل اغتيالات مشهور مثل ابو نضال طريقة للضغط على زعيم منظمة التحرير والعاهل الاردني معاً للقبول بالقيادة السورية.
لكن السوريين كانوا اشد حذراً من العراقيين بكثير في تعاملهم مع ابو نضال. كان احمد حسن البكر احتضنه واقامه على رجليه ليشتغل، ومكنّه من الوصول الى التسهيلات العراقية. اما الاسد فقد رفض مقابلته، وأصر على ان تظل العلاقة ضمن حدود المخابرات بشكل شديد الإحكام، على ان تتم مراجعتها على فترات. وفي هذه الاثناء لم يكن ليسمح لمنظمة ابو نضال بنشاط سياسي مكشوف، ولا بمعسكر للتدريب. وتنحصر العلاقات معها بمخابرات القوى الجوية التابعة لمحمد الخولي، وليس بمخابرات علي دوبا العسكرية التي تتعامل مع جميع الفصائل الفلسطينية الاخرى. ولم يتأثر الاسد برسائل التملق التي بعثها اليه ابو نضال.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

mi-17

مشرف
مشرف



كتاب " ابو نضال : بندقيه للايجار " بقلم الكاتب باتريك سيل  Unbena20كتاب " ابو نضال : بندقيه للايجار " بقلم الكاتب باتريك سيل  Unbena11كتاب " ابو نضال : بندقيه للايجار " بقلم الكاتب باتريك سيل  Unbena30
كتاب " ابو نضال : بندقيه للايجار " بقلم الكاتب باتريك سيل  Unbena23




كتاب " ابو نضال : بندقيه للايجار " بقلم الكاتب باتريك سيل  Empty
مُساهمةموضوع: رد: كتاب " ابو نضال : بندقيه للايجار " بقلم الكاتب باتريك سيل    كتاب " ابو نضال : بندقيه للايجار " بقلم الكاتب باتريك سيل  Icon_minitimeالثلاثاء يونيو 21 2016, 22:53

الحلقه الخامسه 

بينما كنت أرسم مجرى نشاط ابو نضال في العراق، ثم عندما انتقل الى سورية وبعدها الى ليبيا، بدا لي اول الامر انه يمثل حالة تقليدية لزعيم فئة فلسطينية اصبح، وهو يلوب على ملاذ آمن، مرتزقاً. وحين راجعت المعلومات التي جمعتها، وجدت ان العراق "منعه" عندما اراد ان يتزعم الراديكالية العربية لكنه تخلى عنه خلال حربه مع ايران. اما سورية فقد اخذته لديها ليقاتل في حربها ضد الاردن، غير انها اضاعته حين ذهب الى ليبيا التي استخدمته ضد خصومها وضد اعداء خارجيين آخرين. كما ان هذه الدول العربية الثلاث "الراعية" لأبو نضال والتي كانت تعارض استقلالية منظمة التحرير الفلسطينية استخدمته للابقاء على ياسر عرفات مكبوحاً.
اما ابو نضال فكان يُظهر نفسه بأنه الرافض الاول والمعارض الشديد المراس لأي حل تفاوضي مع اسرائيل يعمل له من سمّاه "المستسلم" عرفات منذ 1974. غير انه كان من الواضح ان اكثر عملياته تبدو مؤذية للفلسطينيين. فالرجل كان لغزاً. ولم استطع فهم الباعث الذي كان يُحرّكه.
وفي سبيل ان اوسّع دائرة تحقيقاتي قمت باستشارة مصادر في اوروبا وفي الشرق الاوسط. وقد تحدثت الى ضباط امن ومخابرات والى صحافيين وسياسيين، وهم جميعاً اشخاص كان لديهم، لسبب او لآخر، اهتمامات مهنية في الحرب الاسرائيلية - العربية نظراً لأن بعض معاركها دارت، ولا تزال تدور، على أرض بلادهم. فماذا كانت حصيلة آراء هؤلاء حيال ابو نضال ومنظمته؟
لقد سمعت تفسيرين مختلفين تماماً. فوجهة النظر التقليدية ترى ان ابو نضال قدّم نفسه على انه يمثل محوراً متطرفاً داخل الجدل الفلسطيني، الذي احتدم على امتداد عشرين عاماً، حول ما اذا كان حلٌ وسط مع اسرائيل هو امر ممكن او بل حتى مرغوب فيه. الا ان وجهة نظر اخرى اكثر اثارة ابدتها لي بعض المصادر، وكانت تتماشى مع ما ذكره أبو اياد، فهي تقول: ان ابو نضال كان اداة بيد الاسرائيليين اما لأن منظمته قد اخترقتها الموساد مثلما اخترقت بين حين وآخر كل واحدة من الفئات الفلسطينية الاخرى خلال السنوات الخمس والعشرين الماضية او لأن ابو نضال نفسه كان قد تم تجنيده. ويُقدم برهان هذا الرأي عادة على الشكل التالي: ان اسرائيل وأبو نضال هما، من الناحية النظرية، كلٌ منهما عدو للآخر لدود، اما من الناحية العملية فان اهدافهما المناهضة لمنظمة التحرير الفلسطينية وكذلك عملياتهما متشابهة الى حد يوحي بأن هناك علاقة عمليّاتية بين الطرفين.
ان البراهين لتأكيد هذه النظرية قليلة. وقال لي ضابط مخابرات اردني كبير، يقيم الآن متقاعداً في عمان، "عندما تتغلغل داخل منظمة ابو نضال فانك ستجد الموساد فيها". وقال لي ضابط أمن الماني منخرط في عمليات مكافحة الارهاب واجريت معه حديثاً في لندن في نيسان ابريل 1990: "ان اسرائيل بحاجة الى السيطرة على رجال من امثال ابو نضال، ويتعين عليها ان ُتحيّده، واذا كان بوسعها ان تفيد منه فان ذلك سيكون افضل. ان اي جهاز للمخابرات سيفعل الشيء ذاته اذا تمكن من ذلك". وفيما بعد قال لي موظف حكومي فرنسي - خبير بشؤون الارهاب الدولي وذو معرفة خاصة بالشرق الاوسط - خلال محادثة طويلة اجريتها معه عام 1991: "اذا لم يكن أبو نضال نفسه عميلاً اسرائيليا، فان اثنين او ثلاثة من كبار جماعته لا بد على الارجح ان يكونوا هم انفسهم عملاء، اذ لا شيء غير ذلك يُفسر بعض عملياته. غير ان الدروب مغطاة جيداً، وسيكون من العسير عليك ان تجد الدليل" ….
ليس من دولة في المنطقة مسكونة بهاجس الفلسطينيين اكثر من اسرائيل التي كما ذكر لي ضابط مخابرات اسرائيلي سابق، لاحقت الجماعات الفلسطينية من كل الالوان السياسية خلال ربع القرن الاخير واعتمدت في سبيل ذلك على الفلسطينيين الذين وقعوا تحت حكمها بعد حرب 1967 وأصبح بيدها مصير حياتهم وموتهم. وقد قام جهاز أمن اسرائيل "شيت بيت" وجهاز مخابراتها "الموساد" باستخدام اعداد كبيرة من العملاء الفلسطينيين، سواء عن طريق الشراء او عن طريق الاكراه، واستعملوا للقضاء على المقاومة في الاراضي المحتلة وللتسلل الى جماعات الفدائيين الموجودة في الخارج. وقد ذكر زئيف شيف وهو مراسل حربي اسرائيلي يتمتع بالاحترام، في جريدة "هآرتس" يوم 21 آب اغسطس 1989 ان عدد المخبرين والمتعاونين في الاراضي المحتلة يقدر بخمسة آلاف وهم الذين كانوا ضحايا الاغتيال على ايدي اقرانهم الفلسطينيين خلال الانتفاضة. وبفضل المعلومات التي ينقلها امثال اولئك العملاء تمكنت اسرائيل في اواخر الستينات ان تخنق في المهد حرباً فدائية كان الفلسطينيون يأملون في شنها عليها.
ومنذ عام 1967 أُطلق على الحملة الاسرائيلية لتجنيد عملاء فلسطينيين اسم "عملية الفيضان" نظراً الى العدد الكبير الذي دخل في الشبكة. وبهذا الصدد ذكر ضابط مخابرات اردني: "ان الاسرائيليين ينشدون الكمية، فهم يحاولون ان يجنّدوا تقريباً كل طالب يسافر الى بلد عربي. وبهذا لا يخسرون شيئا فاذا رضي الطالب بأن يعمل معهم يكونون قد كسبوه مُخبراً، اما اذا رفض فانهم يمنعونه من العودة الى الاراضي المحتلة وبذلك يكونون قد تخلصوا من فلسطيني آخر. ويقع هؤلاء الشبان الفلسطينيون تحت ضغط شديد، فاذا لم يتعاونوا تعرضوا لأن يحرموا من رؤية اهلهم مرة اخرى. وغالباً ما يكون اولئك الشبان هم المعيلون الوحيدون لأسرهم، ولذلك لا يجدون امامهم خياراً آخر غير العودة. ومن هنا يبدأون بارسال تقارير الى الموساد عن طريق صناديق البريد التي زودوا بعناوينها.

حرب الفلسطينيين ضد الاسرائيليين

لقد استطاع الفلسطينيون، في بعض الاحيان ان يردوا الضربات. وكان من ابرز ما حققوه من نجاح حين اغتالوا في مدريد احد مُشغّلي العملاء هو باروخ كوهين التابع للموساد الذي اقام شبكة اوروبية واسعة للمخبرين من الطلاب الفلسطينيين، واستعمل هذه الشبكة لاختراق الحركات الفدائية. وفي قبرص، تمكنتُ بعد مفاوضات طويلة في ربيع 1991، من اجراء محادثة مع ضابط مخابرات متقاعد من حركة فتح ادّعى بأنه هو الذي استدرج كوهين الى حتفه. كان رجلاً نحيفاً، فارع القامة، ذا أنف طويل، وعينين حزينتين. وشرح في البداية كيف نصب الفخ والطعم. ففي عام 1972 كان يدرس في اسبانيا على نفقة اخيه واصدرت فتح تعليماتها اليه بأن يكتب الى اهله في الاراضي المحتلة ليعلمهم بضيق ذات يده وبأنه يفكر بأن يترك الدراسة. وكانت فتح تعلم ان الموساد تراقب البريد، وانها حين ينتهي اليها امر ضيقه المالي فسترى فيه مخبراً محتملا. وبالفعل لم يلبث الفلسطيني بعد فترة قصيرة ان تلقى في شهر تشرين الاول اكتوبر 1972 مكالمة هاتفية من رجل اطلق على نفسه اسم سامي حداد وخاطبه باللغة العربية بلهجة مقدسية وأفهمه أنه صديق لأخيه واتفقا على ان يلتقيا في فندق بلازا في مدريد. وقال لي ضابط مخابرات فتح المتقاعد: "كان الرجل ضئيل الجسم لطيفا، وبدأ يحدثني بمرح ويلقي النكات، واخبرني كيف انني اثقل ماليا على اخيه، واشار الى شكواي التي كنت بعثت بها الى اهلي. ورحت احدثه كما لو انني مقتنع حقاً بأنه صديق للعائلة. وما لبث ان اتخذ سمة الجد واخبرني فجأة انه من الموساد، وطلب مني ان اعمل معه".
ورغم ان الفلسطيني كان مهيئاً لتلقي مثل هذا العرض، الا ان مشاعره كانت لها الغلبة. فهو غادر الضفة الغربية قبل حرب 1967 ولم يكن له اي اتصال مع الاسرائيليين من قبل، فانتفض، ونهض وقال بأنه لا يستطيع ان يمضي في هذا الحديث. وهنا قال له سامي حداد: "اجلس، فعندي رسالة لك من ابيك".
فأجابه الفلسطيني: "انت كاذب. فأبي لا يعرف الكتابة" كانت الرسالة مكتوبة بخط يد اخيه الصغير، وهو صبي في الصف السادس وكان يكتب رسائل أبيه اليه. وهنا قال له حداد: "ان افراد اسرتك هم بقبضة يدنا، وانك مسؤول عن حياتهم. فاذا كنت تريد لهم الحياة، فالافضل ان تقوم بما اطلبه منك".
وتظاهر الفلسطيني بأنه قد ذعر حقا، فوافق على تزويد حداد بالمعلومات التي يريدها - وكانت تتعلق بصورة رئيسية بنشاطات الطلاب الفلسطينيين والمجموعات الطلابية في اسبانيا، وكذلك بنشاط مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في مدريد. وراح الفلسطيني يزوده بشكل منتظم بتقارير حول ذلك كله خلال ثلاثة اشهر.
وفي احد اجتماعاتهما السرية، ذكر سامي حداد للفلسطيني بأنه استُدعي الى تل ابيب ليحقق في امر "الجبهة الحمراء" وهي شبكة تجسس تابعة لليساريين اليهود والوطنيين العرب وتمولها سورية. غير ان عملاء فتح كانوا أبقوا حداد تحت مراقبتهم في مدريد، وعلموا ان وجهته الحقيقية ليست تل ابيب بل هي بروكسيل حيث يتخذ من السفارة الاسرائيلية قاعدة له، كما انهم اكتشفوا بأن اسمه الحقيقي هو الكولونيل باروخ كوهين، وأن له يداً في اغتيال ممثلين لمنظمة التحرير الفلسطينية في اوروبا هما وائل زعيتر الذي قُتل في روما في شهر تشرين الاول اكتوبر 1972، ومحمود الهمشري الذي اغتيل في باريس في شهر كانون الاول ديسمبر. وقال لي محدثي الفلسطيني بأن فتح اتخذت عندئذ قراراً بتصفية باروخ كوهين حين يعود الى مدريد.
وقابل الفلسطيني كوهين مرة اخرى في منتصف كانون الثاني يناير، فطلب منه هذا الاخير ان يذهب الى لبنان كي يخترق احدى خلايا "ايلول الاسود" التي تعمل من بيروت. واتفقا على ان يلتقيا من جديد في مقهى بالميرا بشارع خوزيه آنطونيو يوم 26 كانون الثاني يناير ليراجعا التفاصيل.
ولكن الفلسطيني اصطحب معه في هذه المرة شريكاً مزوداً بمسدس وقف متربصاً امام كشك لبيع الصحف قرب مدخل المقهى. وعندما خرج كوهين من المقهى أُردي قتيلا من مسافة قريبة ولاذ الفلسطينيان بالفرار.
غير ان مثل هذه الضربات الناجحة التي نفذتها منظمة التحرير الفلسطينية كانت نادرة. وذكر لي ابو اياد انهم تمكنوا من قتل ستة عملاء للموساد على مدى السنين، الا ان المنظمة فقدت من رجالها عدداً اكبر بكثير وقال انه كان صراعاً غير متكافئ.
لقد اوضحت قضية باروخ كوهين ان الاختراق الاسرائيلي للمنظمات الفلسطينية كان معروفاً، غير ان ذلك لم يكن يشكل الامر كله. فغالبية مصادر المخابرات التي استشرتها متفقة على انه من الممارسات الشائعة استخدام عملاء اختراق، ليس بهدف تحييد العدو او تدميره فحسب بل من اجل محاولة التلاعب به بحيث ينفذ اوامر دون ان يدري انه منصاع لها. فاذا نجحت عملية التلاعب هذه، فان منظمة العدو تغدو، دون ارادتها، امتداداً لمن تلاعب بها. ويكون هذا بالنسبة لمن يمارسون مكافحة التجسس منتهى امانيهم وجوهرها.
وتقول مصادر المخابرات التي تحدثتُ اليها انه على هذا النحو حرصت اسرائيل على ان ترى في متطرف مثل ابو نضال شخصاً يمكن اثارته او التلاعب به نظراً للأذى الذي يمكن ان يلحقه داخل الحركة الفلسطينية. فآراؤه المتطرفة تجعل منه أداة جيدة تستعمل ضد عرفات ومنظمة التحرير الفلسطينية. واذا ما جرى تشجيعه على اغتيال الموالين لعرفات فان ذلك سيكون افضل بكثير.

اغتيال سعيد حمامي

ان استراتيجية اسرائيل لتدمير منظمة التحرير الفلسطينية بكل الوسائل الممكنة شملت، في ما شملت، ارسال وحدات مغاوير مدربة تدريباً خاصاً لتغتال الزعماء الفلسطينيين، وشن حرب شاملة في لبنان عام 1982 لتصفية المنظمة تصفية جسدية. ومن هنا لم يكن مستبعداً ان يتم استخدام منظمة أبو نضال، اذا ما امكنها ذلك، لاغتيال الزعماء الرئيسيين في معسكر عرفات. وعلى هذا فان قيام حلف بين "الرافضين" لم يكن بعيداً عن التصور.
ومثلما اعتبرت اسرائيل منظمة التحرير الفلسطينية تهديداً ينبغي اقتلاعه، فان ابو نضال وصم عرفات بأنه خائن لتفكيره لانه "يتنازل" لاسرائيل عن ثمانين في المائة من التراب الفلسطيني، ما سيقضي بعدم عودة اكثرية الفلسطينيين الى ديارهم الاولى. لقد كان ابو نضال قبل عام 1974، محوراً يتجمّع حوله داخل فتح منتقدو عرفات اليساريون، اما بعد 1974 فانه اصبح اكثر خطراً وعنوان تهلكة، فقد شقّ الحركة الفلسطينية ولطّخ اسمها بسمعة الارهاب، وأسكت المعتدلين عن طريق قتلهم.
وقد برّر ابو نضال موقفه هذا امام اتباعه بالتأكيد المستمر ان عرفات ورفاقه في فتح هم "العدو الداخلي" وان فتح انما تديرها عصبة من الخونة الذين يدمرون الثورة حين يعملون على تحقيق "تسوية سلمية" مع اسرائيل، وأنه لا بد من الحيلولة دون مثل هذا الاستسلام.
في 4 كانون الثاني يناير 1978 جرى اغتيال سعيد حمامي "السفير المعتدل" لياسر عرفات في بريطانيا بطلقة في رأسه. ويقال بأن المسلح الذي اغتاله بصق عليه قبل ان يطلق رصاصته القاتلة ثم لاذ بالفرار. وقبل بضعة اسابيع، اي في تشرين الثاني نوفمبر 1977، كان الرئيس انور السادات حطّم احد المحرمات العربية حين قام بزيارة لاسرائيل. وقد اشاد الغرب بهذه الزيارة لانها شكلت خرقاً، الا ان العديد من العرب استنكروها باعتبار انها خيانة.
وقد دان عرفات ايضاً السادات الا انه فعل ذلك بكثير من التردد جعل العرب الرافضين يشكّون في انه يرغب في ان يحذو حذو الرئيس المصري. وكان ثمة سر معروف هو ان عرفات شجع رَجُلَه في لندن سعيد حمامي، كي يفتح حواراً مع اليسار الاسرائيلي. وكانت تلك الاتصالات في نظر ابو نضال وداعميه العراقيين، بمثابة امر محرّم، ورأوا في حمامي خائناً يستحق الموت.
كان حمامي واحداً من اقوى المنادين بالتعايش السلمي بين الفلسطينيين والاسرائيليين. وعقد، بدءاً من عام 1975، سلسلة من الاجتماعات مع الساعين الاسرائيليين الى السلام، خصوصاً مع الصحافي والكاتب يوري آفنيري الذي وصف بشكل مؤثر في كتابه "صديقي العدو" تلك اللقاءات المختلسة التي لم تثمر.
كان اغتيال حمامي ايذاناً بحملة ارهابية اودت على مدى السنوات الخمس التالية، بحياة اكثر الاصوات الفلسطينية في الغرب تحلياً بالفكر العميق وبالقدرة على الاقناع. ومن الواضح انه كان ثمة من يتربص لنسف ديبلوماسية عرفات وجعله بلا حول ولا طول. فقد تملك المعتدلين في الحركة الفلسطينية هلع كمّم أفواهم فلاذوا بالصمت، ولم يعد هناك الا القلائل ممن يجرأون على اقامة الاتصالات مع اليسار الاسرائيلي: فالهجمات الضارية اوضحت كم كان اولئك "الحمائم" الفلسطينيون عرضة للخطر، وكيف كانت مسألة حمايتهم لا تدخل في اولويات الشرطة الاوروبية.
ومهما يكن من امر فقد بيّنت الشرطة البريطانية ان قاتل حمامي كان قايد حسين ويعرف احيانا باسم اسعد قايد، وهو عضو تونسي في منظمة ابو نضال، وكان مسجلاً في لندن بصفة طالب.
لقد كان واضحا ان رجل ابو نضال نفذ العملية بموافقة عراقية. في 18 شباط فبراير 1988، سدد ابو نضال ضربة اخرى. فقد اقتحم اثنان من رجاله بهو فندق هيلتون في نيقوسيا وصرعوا الكاتب المصري يوسف السباعي المقرب من السادات. لقد كانت غاية الاعتداء الواضحة هي معاقبة السادات. وقد اخبرني منشقون عن منظمة ابو نضال ان العملية هيأها سميح محمد خضر واسمه الحركي زهير الربا والذي هو اخطر رجال ابو نضال في ميدان العمليات الخارجية بتنسيق تام مع المخابرات العراقية. ويبدو ذلك مقبولا باعتبار ان العراق كان يقود الحملة الرامية الى نبذ مصر بسبب اتصالاتها مع اسرائيل.
بعد ان اغتال المسلحون يوسف السباعي، احتجزوا رهائن في الفندق وطالبوا بطائرة، فأعطيت لهم واحدة من الخطوط القبرصية حلّقت بهم في اجواء المنطقة بحثا عن مكان يهبطون فيه. وعندما حيل بينهم وبين الهبوط في اي مكان، عادت الطائرة ادراجها الى لارنكا. وخلال ذلك، بعث السادات بقوة من المغاوير المصريين لاخضاع المسلحين وتحرير الرهائن. الا ان القبارصة قاوموا هذا التدخل الاجنبي. وما ان نزل المصريون حتى اشتبكوا مع افراد الحرس الوطني القبرصي الذين قتلوا خمسة عشر مصريا خلال معركة استمرت ساعة. وبعد ان تبادلت مصر وقبرص اتهامات مريرة، أفرج المسلحون عن رهائنهم واستسلموا. وقد اعطت الحادثة مثالا واضحا لامكانيات ابو نضال في تمزيق الشمل.

البكر: نعم قتلنا حمامي

بعد بضعة اشهر، تعرض للهجمات عدد من "سفراء" منظمة التحرير الفلسطينية المرموقين، ففي 15 حزيران يونيو 1978، اغتيل علي ياسين ممثل فتح في الكويت في منزله وكان احد المعتدلين البارزين. وفي 3 آب اغسطس 1978 اغتيل في باريس عزالدين قلق، وهو مثقف فلسطيني مخلص وهادئ، وكان ذا تأثير بالغ على الرأي العام الفرنسي. وبعد مضي يومين، اي في 5 آب اغسطس هاجم مسلحون مكتب منظمة التحرير في اسلام آباد وقتلوا اربعة من موظفيه ولكنهم اخطأوا يوسف ابو حنتش ممثل المنظمة. وعلى الفور وجهت المنظمة الاتهام الى ابو نضال والعراق. فاغتيال ياسين الرجل المخلص الهادئ والدافئ الطباع، أثار غضبا غير عادي. وقال لي ابو اياد "أنا لم ارغب في قتل ابو نضال الا يوم اغتال علي ياسين" وأضاف انه حاول تدبير امر قتله بل انه حمل معه من اجل ذلك اسلحة الى بغداد خلال زيارة رسمية، غير ان الاستخبارات العراقية كانت تحيط أبو نضال باجراءات امنية لا تقل شدة عن الاجراءات المحيطة بالرئيس البكر او بصدام حسين.
ومن أجل الثأر لياسين جنحت فتح الى الحرب. فأطلقت صواريخ على السفارة العراقية في بيروت يوم 17 تموز يوليو 1978. وبعد يومين اقتحمت مكتب ابو نضال في طرابلس ليبيا فقتلت اثنين من اعضائه، وبتاريخ 24 زرعت فتح قنبلة خارج السفارة العراقية في بروكسيل. وفي 28 من الشهر ذاته نجا السفير العراقي في لندن من محاولة اعتداء على حياته، وبتاريخ 31 حاول شقيق سعيد حمامي، واسمه احمد، الاستيلاء على السفارة العراقية في باريس، ففتح اعضاء السفارة النار على الاثر وقتلوا مفتشا من الشرطة الفرنسية.
بعد مرور بضعة اشهر على اغتيال ياسين وقلق، عقد مؤتمر قمة عربي في بغداد لاتخاذ قرار بمقاطعة مصر بسبب توقيعها اتفاقات كامب ديفيد مع اسرائيل. ومن اجل ذلك تصالحت سورية موقتا مع العراق. وبينما كان الرئيس حافظ الاسد يهم بالذهاب الى بغداد قرر ان يصطحب معه عرفات وابو اياد كي يعقدا سلاما مع الرئيس البكر ومع صدام حسين، وينهيا ما بين العراق ومنظمة التحرير الفلسطينية من حرب أجّجها دعم العراق لهجمات ابو نضال القاتلة على المعتدلين من اعضاء المنظمة. وأقام الرئيس البكر حفلة استقبال في منزله تكريما للوفود العربية الزائرة وتم اقناعه بأن يدعو عرفات على رغم انه كان لا يزال لا يتكلم معه. وفي احدى فترات الحفلة لم يستطع البكر ان يتمالك نفسه، فتوجه، حسب شاهد عيان، نحو عرفات وصرخ في وجهه قائلا: "نعم! لقد قتلنا حمامي، لقد فعلنا ذلك! اما بالنسبة الى الآخرين فلا علاقة لنا بموتهم!".
يصعب ان يجد المرء ماذا سيفيد البكر ونائبه صدام حسين من اخفائهما للحقيقة. فتصفية المعارضين كانت شيئا مألوفا وعاديا بالنسبة اليهما، ولا ينتابهما اي خجل منه. لذلك فإن البكر حين تنصل من مسؤولية قتل ياسين وقلق انما كان الى حد كبير يتفوه بالحقيقة. وقد اخبرني ابو اياد نفسه فيما بعد ان رئيس المخابرات العراقية سعدون شاكر ووزير الخارجية طارق عزيز نفيا ايضا بشدة تورط العراق في الايعاز بذلك القتل، وقال ابو اياد انه ميال الى تصديقهما.
في عام 1987 عندما جابه ابو اياد ابو نضال في الجزائر، فإن هذا الاخير اقر بدوره بأنه قتل حمامي، ولكنه نفى بشكل متكرر ان يكون له يد في اغتيال ياسين وقلق. وقد اعلمني بعض المنشقين عن ابو نضال انه كان يسود في منظمته، ذات الادارات المستقلة تماما عن بعضها البعض، حيرة حيال اغتيالهما، وكانت كل ادارة تلقي اللوم على الاخرى.
فإذا لم تكن المخابرات العراقية ولا ابو نضال قد اصدرا امر الاغتيال، فمن الذي إذن امر بالقتل؟ لعل ثمة ما يشير هنا الى تدخل خارجي. لقد كان ياسين في الخليج وقلق في فرنسا داعيتين بليغين الى تعايش اسرائيلي - فلسطيني، والى حل يقوم على وجود دولتين، وهي كلها افكار بغيضة في نظر تكتل الليكود. ومما لا شك فيه ان اشخاصا من أمثال ياسين وقلق لا تنطبق مواصفاتهما على الصورة المشوهة التي يلصقها بيغن بمنظمة التحرير الفلسطينية.

مقتل أبو حسن

لم تكن مضت بضعة اسابيع على قمة بغداد حتى وجّهت اسرائيل ضربة صاعقة في حربها التي لا هوادة فيها ضد منظمة التحرير. ففي 22 كانون الثاني يناير 1979 فُجّرت سيارة مفخخة تابعة للموساد في بيروت وقتلت رئيس أمن فتح علي حسن سلامة المعروف بإسم ابو حسن واربعة من حراسه وخمسة آخرين من عابري السبيل. وذكرت الشائعات ان اسرائيل كانت تنتقم بهذا العمل من دور سلامة في عمليات "ايلول الاسود" قبل خمس سنوات.
لقد اختار ابو اياد الشاب القدير حسن سلامة نائباً له في هيئة "الرصد المركزي" التي أُنشئت عام 1967 لمكافحة الجاسوسية. الا ان سلامة انشق عن فتح خلال الازمة الاردنية عام 1970 وقاد بنفسه فئة "أشبال النمور" في جماعة "ايلول الاسود". وكان اهم ما قام به هو القاء قنبلة صغيرة على بعض مستودعات النفط في تريستا بتاريخ 5 آب اغسطس 1972، وعلى الاثر جرى اتصال سري معه من قبل عدد من شركات النفط لكي يحميها مقابل مبالغ طائلة يسيل لها اللعاب. وهكذا لم تعد تحدث عمليات اخرى من هذا النوع. الا ان سلامة قام، التزاماً بالواجب بإبلاغ رفاقه السابقين في فتح عن تلك العروض التي قدمت له، ما جعل فتح تسجل له هذه النزاهة. وكان ذلك احد الاسباب التي جعلت عرفات يعيد سلامة الى فتح ويوليه قيادة حرسه الشخصي، وهو الوحدة التي عرفت باسم القوة 17.
وكان من نتائج هذا العمل الذي أُوكل اليه في فتح وتزايد التفاؤل بالوصول الى تسوية سلمية بعد حرب 1973 ان طرأ تغيير دراماتيكي على مواقف علي حسن سلامة. فاستناداً الى تعليمات مكتوبة وجهتها فتح اليه شرع بإقامة علاقة مخابراتية مع مدير محطة وكالة المخابرات المركزية الاميركية في بيروت أدّت فيما بعد الى ان يتحول عضو "ايلول الاسود" السابق الذي كان يرمي الى مهاجمة الاهداف الاميركية الى حام للسفارة الاميركية في بيروت خلال الحرب الاهلية، ومشرف على الاجلاء الآمن للمدنيين الاميركيين عام 1976. وكي ُيتمّ سلامة دخوله الى العالم الرخي المترف والمحافظ، اتخذ لنفسه زوجة ثانية بارعة الجمال هي ملكة جمال الكون السابقة اللبنانية جورجينا رزق.
وقد تنامت علاقات اميركا مع منظمة التحرير حين اعلن الرئيس جيمي كارتر دعمه للوطن الفلسطيني في اذار مارس 1977 وذهب سلامة مرتين الى الولايات المتحدة حيث اقام في مقر وكالة المخابرات المركزية في منطقة لانجلي قرب واشنطن، وهناك قدم لمضيفه تقويماً شخصياً معمقاً عن عرفات، وكانت تلك هي المرة الاولى التي يستمع فيها ضباط المخابرات الاميركية الى مثل هذه الشهادة من شخص مقرب جداً من زعيم منظمة التحرير الفلسطينية. واوضح سلامة ان المنظمة انما يمولها الرأسماليون الفلسطينيون وليس موسكو، وانها على استعداد لتضمن بأن دولة "فلسطينية" في المستقبل لن تكون شيوعية ولا ارهابىة ولا ديكتاتورية من اي نوع. واعلم سلامة ادارة المخابرات الاميركية ان الفلسطينيين مستعدون لعقد صداقة مع الولايات المتحدة، وانهم غير مهتمين بأن يدمروا اسرائيل.
وحسب ضباط المخابرات الغربية الذين تحدثت اليهم فإن اسرائيل لم تكن مستعدة للسماح بأن تتطور براعم الصداقة التي تفتحت بين اميركا والمنظمة لتصبح تعاوناً حقيقياً من اي نوع كان. ويقول اولئك الضباط انه بعدما قوّمت اسرائيل معنى اتصالات سلامة مع المخابرات الاميركية اتخذت قراراً بالقضاء عليه. فهو اذن لم يمت بسبب نشاطاته السابقة في منظمة "ايلول الاسود"، وانما قتل لانه اضحى رجل الارتباط بين المنظمة ووكالة المخابرات الاميركية.
بعد فترة من التوقف استؤنفت عمليات اغتيال ممثلي منظمة التحرير الفلسطينية. ففي الاول من حزيران يونيو 1981 اغتيل ممثل المنظمة في بروكسيل نعيم خضر الذي كان مثل ياسين وقلق احد المعتدلين المرموقين. وقد القيت تبعة قتله على ابو نضال.
الا ان عميل الموساد السابق فيكتور اوستروفسكي يذكر في كتابه دون مواربة ان الموساد هي التي قتلت خضر. ففي كتابه "عن طريق الخداع" 1990 يقول: "بينما كان خضر في طريقه الى عمله، برز له رجل داكن البشرة ذو شارب رفيع، ويرتدي سترة جلدية، واطلق عليه خمس رصاصات في قلبه وواحدة في رأسه، وفر نحو منعطف الشارع وقفز الى سيارة "تاكسي" عابرة واختفى. ورغم ان عرفات لم يكن على بيّنة من هوية القاتل فإن الموساد هي التي وجهت الضربة".
لقد اغتيل خضر في وقت كان انتباه رئيس وزراء اسرائيل مناحيم بيغن مشدوداً الى لبنان. فبعد ان أُخرجت مصر من جبهة المواجهة العربية بواسطة معاهدة السلام عام 1979، خطط بيغن لجلب لبنان الى فلك اسرائيل وبالتالي الى تحييد سورية. وكانت الموساد تعمل منذ سنين على تهيئة احد امراء الحرب اللبنانيين المسيحيين، وهو بشير الجميّل، ليلعب دور مفوض اسرائيل في بيروت.
وفي ربيع 1981 بدأ بيغن سلسلة من المناورات العدوانية على لبنان مثل إسقاط طائرتي هيليكوبتر سوريتين في شهر نيسان ابريل، والقصف الجوي والبحري العنيف للمواقع الفلسطينية في شهري ايار مايو وحزيران يونيو. وكان هدف تلك المناورات جرّ السوريين والفلسطينيين الى القتال. ولكن كان على بيغن ان ينتظر حتى حزيران يونيو 1982 عندما وقعت محاولة الاعتداء على السفير الاسرائيلي في لندن التي اعطت بيغن الذريعة التي كان يحتاج اليها ليشن حرباً في لبنان تتيح له ان يحقق خطته الاستراتيجية.
كان خضر، ممثل المنظمة في بروكسيل، احد القادة الفلسطينيين الذين كانوا يدركون حينذاك اهمية عدم اعطاء بيغن اي مبرر لغزو لبنان. وكان خضر اتصل هاتفياً لهذا الغرض مع احد ديبلوماسيي السفارة الاسرائيلية في بروكسيل وطلب الاجتماع به من اجل البحث عن وسائل نزع فتيل الوضع اللبناني الخطر. غير ان ذلك كان آخر ما تريد الحكومة الاسرائيلية ان تفعله. فالخوف الاساسي الذي كان يعتري المتشددين الاسرائيليين، من امثال بيغن والذين خلفوه، لم يكن مبعثه نضال منظمة التحرير الفلسطينية بل اعتدالها لان الاعتدال قد يجبر اسرائيل في نهاية المطاف، تحت وطأة الرأي العام الدولي، على اجراء مفاوضات وتقديم تنازلات.
وحسبما ذكر اوستروفسكي فإن اغتيال خضر على يد قاتل من الموساد كان بسبب محاولة خضر الحيلولة دون اندلاع حرب في لبنان، وهي حرب كان الفلسطينيون يخشونها، ولكن الموساد واسيادها السياسيين كانوا يريدونها لانها تتيح لاسرائيل الفرصة لمحو الفلسطينيين ولوضع رَجُلِهم، بشير الجميّل في القصر الرئاسي في بيروت.
ان استروفسكي ليس كاتباً دقيقاً، بل انه لا يبدو كاتباً من اي نوع على الاطلاق، فكتابه المهلهل ألفه له شخص آخر. غير ان احداً، حسبما اعلم، لم ينكر البتة انه عمل للموساد، او ان ما سرده في القسم الاول من كتابه حول تجنيده وتدريبه ليس صحيحاً.
وقد بذلت الحكومة الاسرائيلية جهدها لايقاف كتاب اوستروفسكي وحركت دعوى قضائية في نيويورك لمنع نشره. ويعتقد ايان بلاك وبيني موريس، مؤلفا كتاب "حروب اسرائيل السرية 1991 اللذان يتمتعان بالاحترام، ان استروفسكي صادق في ما كتب، ويقولان في كتابهما: "ان كتاب اوستروفسكي يثير الحرج لان ادارة مخابرات ما اذا كانت لا تستطيع كتمان اعمق اسرارها الداخلية فكيف لها ان تكون فعالة؟"، ومن هنا فإن ما قاله اوستروفسكي بأن الموساد هي التي قتلت خضر يصعب الا ُيعطى المصداقية.
ومع ذلك، فحين تحدثتُ الى منشقين من كبار منظمة ابو نضال صيف 1990، اكدوا لي بصورة قاطعة ان القاتل الذي صرع خضر في احد شوارع بروكسيل لم يكن اسرائيلياً بل كان احد اعضاء منظمة ابو نضال، وقالوا انه عدنان الرشيدي واسمه الحركي هشام حجة، وان سلاح القتل هربه الى بلجيكا تونسي اسمه محمد ابو الجاسم، وسلم الى عدنان الرشيدي بواسطة بديل مجهول.
بعد ثلاثة اشهر من مقتل خضر اقتحم مسلحان من جماعة ابو نضال كنيساً يهودياً في فيينا يوم 29 اغسطس آب 1981 وقتلا شخصين وجرحا تسعة عشرة آخر. وقد القت الشرطة النمساوية القبض عليهما وقامت باستجوابهما. وحسبما ذكر الكاتب الاسرائيلي يوسي ميلمان في كتابه "الارهابي البارع: او قصة ابو نضال الحقيقية" 1987 فان النمساويين بعثوا بصورة احد المسلحين المعتقلين الى فريق الشرطة البلجيكية الذي كان يحقق في قضية اغتيال خضر. وقد ذكر الشهود العيان الذين رأوا خضر يُقتل في احد شوارع بروكسيل ان القاتل هو نفسه الذي اقتحم الكنيس في فيينا.
خلال السنتين اللتين سبقتا الهجوم على كنيس فيينا. قام ابو نضال بعدد من الهجمات على اهداف اسرائيلية او يهودية "سهلة" في مدن اوروبية مختلفة. وقد اجهضت اكثر هذه الهجمات او انها لم تكن ناجحة. ففي 13 تشرين الثاني نوفمبر 1979، مثلاً، اخفقت محاولة اغتيال افرايم ايلدار سفير اسرائيل لدى البرتغال. وفي 20 من الشهر نفسه اخفقت محاولة لالقاء قنابل على معرض عن القدس اقامته الجالية اليهودية في سالزبورغ بأحد فنادق المدينة، كما ان محاولة جرت في 3 آذار مارس 1980 لاغتيال ماكس مازان احد البارزين من الجالية اليهودية في مدريد لم تنجح لان القاتل اطلق النار على الرجل الخطأ وصرع محامياً اسبانياً هو آدولفو كويتللو الذي كان يقطن في المبنى ذاته الذي يسكن فيه مازان. وفي 27 تموز يوليو 1980 القيت قنبلتان يدويتان على حفلة لمدرسة آغودات اسرائيل للاطفال في آنتويرب ببلجيكا فقتلتا فتى وجرحتا واحداً وعشرين آخر. وفي الاول من ايار مايو 1981 اغتيل في فيينا هاينزنيتال وهو صديق برونو كرايسكي ورئيس جمعية الصداقة النمساوية - الاسرائيلية. فإذا ما كان لاسرائيل عملاء داخل منظمة ابو نضال وكانت قادرة على التلاعب بعملية انتقاء اهداف المنظمة، فلماذا لم توقف مثل تلك الاعمال الاجرامية العنيفة الموجهة ضد اليهود؟

عملاء من شمال أفريقيا

بعد انهاء حمامي وياسين وقلق وخضر، لم يبق سوى الدكتور عصام سرطاوي آخر الحمائم البارزين في الحركة الفلسطينية. كان نوعا فذا من الانماط التي يمقتها بالمقدار نفسه الصقور الاسرائيليون والرافضون العرب. وكان سرطاوي اتهم علنا اكثر من مرة أبو نضال بأنه عميل اسرائيلي. ففي حديث له مع جريدة "لوموند" الفرنسية البارزة في 22 كانون الثاني يناير 1982 صرح بقوله: "ليس ابو نضال ثوريا متطرفا يخدم قضية جبهة الرفض، بل هو شخص مرتدّ يخدم اسرائيل. وقد اثبتت دوائر الامن النمساوية، دونما شك، ان الساعد الايمن لأبو نضال لم يقتل فقط هاينز نيتال في 1 أيار مايو 1981 بل هاجم ايضا الكنيس اليهودي في فيينا في آب اغسطس، واغتال في 1 حزيران يونيو نعيم خضر ممثل منظمة التحرير في بروكسيل. فمن غير اسرائيل يحرص على إقصاء قادتنا؟ ومن ذا الذي يحرص على تشويه مصداقية المقاومة الفلسطينية بارتكاب جرائم ذات طبيعة لا سامية فاضحة؟ إننا لم نعد نطرح على أنفسنا تلك الاسئلة بعد ان اعترف اعضاء من جماعة ابو نضال معتقلون لدينا في بيروت بأنهم ُُجُنّدوا من قبل الموساد في الاراضي المحتلة".
وقد كرر سرطاوي هذا الاتهام وهو بغاية الاضطراب حين تحدثت اليه في الجزائر في شباط فبراير 1983 لدى انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني وقبل اغتياله ببضعة اسابيع، فادعى بأن فتح اعتقلت عددا من رجال ابو نضال في بيروت واعترفوا بأن الموساد كانت جندتهم في الضفة الغربية. وكان سرطاوي متأكدا بأن ابو نضال او الموساد، او الموساد بواسطة ابو نضال، سيعملان على اغتياله. ومما زاد الطين بلة هو ان عرفات كان عمد خلال اجتماع المجلس المذكور الى التنصل من آراء سرطاوي "الحمائمية" ومنعه من التكلم. وإنني لأذكر المشهد جيدا، فقد كنت واقفا بمحاذاة سرطاوي في طرف قاعة المؤتمر. وقد ألقى فاروق قدومي ابو اللطف "وزير خارجية" منظمة التحرير خطابا ضمنه تقريرا سياسيا متشددا يرفض كل ما كان يمثله سرطاوي ويعمل من أجله. وبينما كان يستمع الى قدومي استدار نحوي وقد شحب وجهه وقال: "ألم يعترك القرف بما فيه الكفاية؟". وهكذا وجد هذا الرجل، الذي كان يتمتع بالشعبية، نفسه وحيدا، فلم يأت احد ليتحدث اليه. وقد يكون سرطاوي أدرك بأنه محكوم عليه، بعد ان اصبح وحده، معرضا في العراء دون اي حماية او غطاء سياسي، وانه مطارد من قبل قتلة من كلا المعسكرين. وعندما كان سرطاوي يجري اتصالاته بجماعة السلام الاسرائيلية كان يفعل ذلك بناء على تعليمات من عرفات، ولكن يبدو انه تجاوز حدود تلك التعليمات.
في 10 نيسان ابريل 1983 كان سرطاوي يتجاذب أطراف الحديث في بهو احد فنادق مدينة آلبوفيرا بالبرتغال مع مندوبين آخرين مشاركين في اجتماع للاشتراكية الدولية. وبرز قاتل واطلق النار على رأسه فمات على الفور. وبعد بضع ساعات اصدر ابو نضال في دمشق بيانا مبتهجا اعلن فيه مسؤوليته عن مصرع "الخائن المجرم سرطاوي".
وسواء كان لاسرائيل او لم يكن لها يد في اغتيال سرطاوي، فإن هناك دائما كالعادة، تفسيرا آخر للعملية. وقبل مصرعه ببضعة اشهر، تلقى سرطاوي رسالة من ابو نضال يسأله فيها عن موعد اجتماعه بالاسرائيليين الذين يتصل بهم في فيينا، لأنه كان يريد الاعداد لاغتيالهم. ولكن سرطاوي قام فورا بابلاغ الشرطة النمساوية التي كانت مع شرطة اوروبية اخرى تتعاون مع فتح لافشال عمليات ابو نضال الارهابية. وعندما طار رجلان مسلحان تابعان لأبو نضال الى فيينا تم القاء القبض عليهما، وساعد سرطاوي النمساويين في استجوابهما، فاشتعل ابو نضال غضبا.
لم يكن سرطاوي دائما من "الحمائم" فقد كان في الواقع ولسنوات طويلة صديقا حميما لأبو نضال، وكان يشاركه آراءه الرافضة ....
عام 1987 أمضى أبو اياد في الجزائر ليلة بطولها في مجابهة مع ابو نضال بعد ان رتبت اجتماعهما المخابرات الجزائرية. وقد تحدث ابو اياد عن شكوى فتح الرئيسية والتي هي القائمة الطويلة من رجال منظمة التحرير الذين اغتالهم ابو نضال او أيد خفية في منظمته. وسرد لي ابو اياد فيما بعد حواره مع ابو نضال.
قال ابو اياد: "سألته: لماذا قتلت عصام سرطاوي؟ لقد كان صديقك لأمد طويل، وقلت له إنني اعتقد انها كانت عملية حَرّك الاسرائيليون خيوطها، فكل القضية تفوح منها رائحة الاختراق والتلاعب، ومن ذلك الطريقة التي هُرّبت بها الاسلحة، وفرار القاتل، والقبض على شريك شاب يسافر بجواز مزور ولا يستطيع المغاربة اتهامه بالقتل". وأضاف ابو اياد: "إنني اعلم ان اسرائيل تلعب لعبتها معك".
وأفهم ابو اياد ابو نضال بأن شكوكه في امر الاختراق الاسرائيلي انما ثارت عندما زوده ضابط مخابرات مغربي بقائمة تضم اعضاء جماعة ابو نضال في اسبانيا الذي يبلغون تسعة عشر شخصا. وعندما سأل ابو اياد الضابط المغربي عن مصدر القائمة أجاب الضابط بأنها من الموساد، ودقق ابو اياد في القائمة بنفسه فوجد انها صحيحة بكاملها: فسبعة عشر شخصا، اكثرهم من الطلاب لا يزالون يعيشون في اسبانيا، واثنان تخرجا وعادا الى البلاد.
وقال ابو اياد: "لقد أدهشني جواب ابو نضال، اذ قال بهدوء: "نعم أنت على حق. فلقد اخترقتنا اسرائيل في الماضي، وقد اكتشفت ذلك من الاعضاء التونسيين والمغاربة عندي. كانت اسرائيل تعمد الى زرعهم لدي. ولكن دعني اقول لك بأنني ارسلت اعضائي الافريقيين الشماليين التابعين لي، وهم الذين أثق بهم حقا، الى فرنسا ليقوموا بتجنيد عملاء اسرائيل الافريقيين الشماليين بعد تغيير قناعاتهم! ان التدفق المخابراتي يكون في بعض الاحيان لصالحي، فقد زودني هؤلاء العملاء بمعلومات مدهشة حقا. وخذ على سبيل المثال موضوع سرطاوي، لقد أعطوني كل المعلومات المفصلة التي كانت تلزمني للعملية!".
وبينما كان ابو اياد يسترجع تلك المحادثة فإنه ظل لا يصدق ما سمعه "لقد أقر بأن العملاء الاسرائيليين موجودون في منظمته، وانهم زودوه بالمعلومات. لقد اعترف بذلك. وقد أدهشتني اللهجة العادية التي كان يتحدث بها. وأضاف ابو نضال بأنه يحاول تصفية العملاء الاسرائيليين واحدا بعد آخر. هذا ما قاله لي!". واخبرني ابو اياد بأنه امضى شهورا وهو يمعن النظر في التلاعب الاسرائيلي بأبو نضال بواسطة عملاء من شمال افريقيا. فقد كان يعلم يقينا ان خضر اغتاله عضو تونسي في منظمة ابو نضال، وكذلك اغتيل ايضا حمامي وقلق.
وقال ابو اياد مؤكدا: "لقد اوقفنا الارهاب عام 1974، غير ان الاسرائيليين لم يوقفوه رغم انهم اقنعوا العالم بعكس ذلك. انهم يواصلون الاعتداء علينا وفي بعض الاحيان يرتكبون اعتداءاتهم بشكل سافر وصارخ، كما حدث عندما اغتالوا ابو جهاد في تونس عام 1988، ويقومون في اغلب الاحيان بعمليات يمكن قراءتها بأشكال مختلفة. وعليّ ان اعترف ان ذلك يوقعنا في الحيرة. ففي عدة مناسبات لم نكن متأكدين هل المسؤول هو ابو نضال ام الموساد".
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

mi-17

مشرف
مشرف



كتاب " ابو نضال : بندقيه للايجار " بقلم الكاتب باتريك سيل  Unbena20كتاب " ابو نضال : بندقيه للايجار " بقلم الكاتب باتريك سيل  Unbena11كتاب " ابو نضال : بندقيه للايجار " بقلم الكاتب باتريك سيل  Unbena30
كتاب " ابو نضال : بندقيه للايجار " بقلم الكاتب باتريك سيل  Unbena23




كتاب " ابو نضال : بندقيه للايجار " بقلم الكاتب باتريك سيل  Empty
مُساهمةموضوع: رد: كتاب " ابو نضال : بندقيه للايجار " بقلم الكاتب باتريك سيل    كتاب " ابو نضال : بندقيه للايجار " بقلم الكاتب باتريك سيل  Icon_minitimeالثلاثاء يونيو 21 2016, 23:11

الحلقه السادسه :

برز ابو نضال "كارهابي كبير" في الغرب في مطلع ومنتصف الثمانينات. فقد قام في تلك الفترة بمجموعة عمليات اثارت ضجة كبرى في العالم واساءت الى حد كبير الى سمعة الفلسطينيين ورصيدهم في الساحة الدولية، على حد ما اكده لي ابو اياد وغيره من القادة الفلسطينيين البارزين.
واكثر عمليات منظمة ابو نضال "شهرة" في الثمانينات هي الآتية: محاولة اغتيال السفير الاسرائيلي في لندن شلومو ارغوف في 3 حزيران يونيو 1982 وهي التي استخدمها الاسرائيليون كمبرر لغزو لبنان وضرب الفلسطينيين فيه. الهجوم بالقنابل على مقر "الكافي دو باري" في روما 18 ايلول - سبتمبر 1985 وهو الهجوم الذي اسفر عن اصابة اربعين شخصا بجروح. اختطاف طائرة ركاب مصرية في رحلتها من اثينا الى القاهرة وارغامها على الهبوط في مالطا يوم 23 تشرين الثاني - نوفمبر 1985 مما ادى الى مقتل عدد كبير من ركابها.
مهاجمة مكتبي بيع تذاكر سفر شركة "العال" الاسرائيلية في مطاري روما وفيينا في 27 كانون الاول ديسمبر 1985 بالقنابل والرصاص، ما ادى الى مقتل 18 شخصاً واصابة 110 آخرين بجروح. وقد اعتبر الرئيس الاميركي ريغان آنذاك ان هناك "ادلة لا تدحض" على دعم العقيد القذافي لأبو نضال، ويصف هجومي روما وفيينا بأنهما "الاخيران فقط في سلسلة من الاعمال الارهابية الوحشية المرتكبة بدعم القذافي". واصدر ريغان امراً تنفيذيا اعلن فيه ان اعمال الحكومة الليبية "تشكل تهديداً للامن القومي والسياسة الخارجية للولايات المتحدة".
اضافة الى هذه العمليات، ،هناك عمليتان "بارزتان" في سجل ابو نضال. الاولى في 5 ايلول سبتمبر 1986 حين استولى مسلحون على طائرة بان اميركان ضخمة للركاب في مطار كراتشي وعلى متنها طاقم وركاب مجموعهم 358 شخصاً، وعند اقتحام القوات الباكستانية الطائرة قتل عشرون راكباً واستسلم الخاطفون. وقد اتهم وزير الدفاع الاميركي كاسبار واينبرغر منظمة ابو نضال بانها المسؤولة عن العملية. وفي 6 ايلول سبتمبر 1986 قتل مسلحو ابو نضال 21 مصلياً يهودياً في هجوم على كنيس نيفي شالوم في اسطنبول وعلى رغم ان ابو نضال اعلن مسؤوليته عن الهجوم الا ان الاسرائيليين لم ينتقموا له.
وحتى هذا اليوم لا يعرف احد في الحركة الفلسطينية لماذا نفذت منظمة ابو نضال عمليتي روما وفيينا. ولكن احد اعوان ابو نضال السابقين اخبرني ان الخطة الاصلية لم تكن قاصرة على ضرب روما وفيينا فحسب، بل كانت تشمل مطار فرانكفورت بمساعدة احمد جبريل زعيم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين - القيادة العامة. ولكن، قبل التاريخ المتفق عليه للهجوم، غير ابو نضال رأيه. فهو كان يغار من جبريل، او لعله خشي ان تكون جماعة جبريل مخترقة وقد تفضحه، فقرر ان يسارع الى العمل وحده ويستبق الامور. فأرسل له جبريل الغاضب تقريعاً شديداً، وشكا من كون ابو نضال تراجع عن اتفاقهما، وانتقد الطريقة التي جرت بها العمليتان في روما وفيينا. وجادل جبريل بما ان الاسلحة قد هُرّبت الى قاعتي الترانزيت في المطارين، فقد كان يمكن توجيه الضربتين بدقة أكبر وكان يمكن ان توقعا مزيداً من الضرر بالاسرائيليين.
وعندما ناقشتُ هاتين العمليتين مع ابو اياد في تونس صيف 1990، اخبرني بانه اضطر بعد عمليتي روما وفيينا الى اعطاء حوالي عشرين مقابلة صحافية لمحاولة توضيح ان منظمة التحرير الفلسطينية لم تكن لها اية علاقة بما حدث. ولكن ذلك لم يكن سهلاً. وقال ابو اياد : "عندما تحدث مثل هذه الاشياء المروعة الرهيبة، فان الناس العاديين يبدأون في الاعتقاد بان الفلسطينيين جميعاً مجرمون. لقد كان الضرر الذي حلّ بمنظمة التحرير فادحاً".
وقد اخبرني اعضاء سابقون في منظمة ابو نضال ان المخابرات الليبية شاركت في التخطيط وتجهيز الاسلحة التي سلمت الى المسلحين - بالطريقة التقليدية - من قبل رجل اتصالات في آخر لحظة تماماً. اما جوازات السفر التونسية التي استخدمها المسلحون فكانت ليبيا صادرتها من عمال تونسيين طردتهم عام 1985.
وقد امتدحت وكالة الانباء الليبية الهجومين "كعمليتين بطوليتين قام بهما ابناء شهداء صبرا وشاتيلا". والعقيد معمر القذافي نفسه ابرع من ان يناقش مثل هذه العمليات مع ابو نضال، ولكن ضباط مخابراته فعلوا ذلك بالتأكيد….

قضية نزار هنداوي

في 17 نيسان ابريل 1986 اكتشف، في مطار هيثرو بلندن، حارس امن اسرائيلي كيلو غراماً ونصف الكيلوغرام من السمتكس، وهي مادة بلاستيكية تفجيرية من صنع تشيكوسلوفاكي، مخبأة في القاع المزيف لحقيبة كانت تهم المواطنة الايرلندية آن مورفي بحملها الى طائرة العال المتجهة الى تل ابيب. وكان صاعق القنبلة مخفياً في آلة جيب حاسبة. كانت آن مورفي تعمل خادمة في احد فنادق لندن، وكان الذي اعطاها الحقيبة هو صديقها الاردني نزار هنداوي الذي كانت حاملة منه في شهرها الخامس، وكان وعدها بان ينضم اليها في اسرائيل حيث سيتزوجها. وقد قام هنداوي، البالغ من العمر اثنين وثلاثين عاماً، بايصال خطيبته الى المطار بواسطة تاكسي وعمد وهو في الطريق الى وضع بطارية في الآلة الحاسبة ووقّت القنبلة بحيث تنفجر الطائرة اثناء تحليقها في الجو.
وبعد ان ترك هنداوي خطيبته في المطار حوالي الساعة الثامنة صباحاً من يوم 17 نيسان ابريل، عاد الى لندن، وما لبث بعد وقت قصير ان صعد الى باص تابع للخطوط الجوية السورية ليعود فيه ثانية الى المطار كي يلحق بالطائرة المتجهة الى دمشق في الساعة الثانية بعد الظهر. غير انه قبل ان يتحرك الباص نحو المطار شاع نبأ اكتشاف القنبلة في مطار هيثرو، فغادر هنداوي الباص على جناح السرعة، وانطلق الى السفارة السورية حيث طلب المساعدة من السفير الدكتور لطف الله حيدر.
وقد حققتُ في امر هذا الحادث الارهابي الذي له علاقة بالسوريين عندما كنت أُعدّ سيرة حياة الرئيس الاسد. وتساءلت: هل كان الاسد يعلم بالامر؟ ففي ضوء حرصه على تفادي الاشتباك في حرب مع اسرائيل، لم استطع ان اصدق ان الاسد يمكن ان يوافق على قنبلة هيثرو. فلو انكشفت علاقة سورية بتدمير طائرة مدنية اسرائيلية، فان بلد الاسد ونظامه كان يمكن ان يتعرضا لخطر هائل وفوري.
والذي لم اكن اعرفه حينذاك ثم انتهى اليّ امره فيما بعد في تونس عام 1990، من قبل هارب رفيع المستوى من منظمة ابو نضال، هو ان اللجنة الفنية في منظمة ابو نضال هي التي صنعت قنبلة الحقيبة وسلمتها الى مخابرات القوى الجوية بدمشق وهي الجهة التي كانت ترعى ابو نضال في سورية. وقامت المخابرات المذكورة بارسال القنبلة في الحقيبة الديبلوماسية الى لندن حيث سلمت الى الهنداوي. والى جانب الهنداوي نفسه، فان الاشخاص الوحيدين الذين يعتقد بانهم كانوا يعرفون بهذا الامر لا يتجاوزون ضابطين او ثلاثة من مخابرات القوى الجوية واثنين او ثلاثة من جماعة ابو نضال.
وقد افترض على نطاق واسع ان هدف قائد مخابرات القوى الجوية اللواء محمد الخولي كان الثأر لحادثة وقعت قبل شهرين حين تصدت اسرائيل، بأمل اعتقال عدد من قادة المقاتلين الفلسطينيين، لطائرة سورية خاصة كانت تقل بعض الرسميين السوريين العائدين الى دمشق واجبرتها على الهبوط في اراضيها. وفي ضوء هذا التفسير يبدو ان حادث هيثرو كان عبارة عن عملية شاذة وغير متقنة قام بها فرع غير منضبط من المخابرات السورية. وعلى كل حال فان علاقة ابو نضال تعطي الحادث بعداً آخر. كان هنداوي معروفاً لدى السفير السوري في لندن الدكتور حيدر الذي كان، قبل اشهر من حادث هيثرو، اوصى المخابرات السورية بهنداوي على اساس انه كاتب معارض للنظام الاردني ويقيم في لندن، وانه يمكن استخدامه في الحملة التي كانت تشنها حينذاك سورية ضد الاردن. ولكن الذي لم يكن حيدر يعلمه هو ان برقيته الى دمشق بشأن هنداوي كانت التقطتها المخابرات البريطانية وقامت على الاغلب، بتوزيعها على عدد من الدول، بما فيها اسرائيل، التي كانت تتعاون مع بريطانيا في ميدان مكافحة الارهاب. ولذلك حينما جاء هنداوي الى السفارة ليطلب المساعدة افترض السفير انه عميل سوري يواجه مشكلة فأحاله الى رجال الامن لديه الذين اخذوه الى مسكنهم حيث حاولوا تغيير هيئته وذلك بان قصوا شعره وصبغوه.
الا ان هنداوي، ولأسباب غير واضحة، هرب من عند السوريين. وبعد ان اتصل بأخيه الذي يعمل موظفاً في سفارة قطر بلندن، سلم نفسه الى الشرطة البريطانية.
وقد جرى استجوابه بشكل مكثف على مدى ايام تعرض خلالها الى قطع نومه لمواصلة الاستجواب. ومن ثم اعترف بأنه قابل اللواء الخولي بدمشق في شهر كانون الثاني يناير 1986، وبعد مضي شهر زوده احد ضباط الخولي العقيد هيثم سعيد، بجواز سفر خدمة يحمل اسماً مستعاراً واعطاه تعليمات بان يضع قنبلة في احدى طائرات "العال" في لندن. وتم ارساله الى بريطانيا للتدريب على ذلك. ولدى عودته الى دمشق، اطلعه هيثم سعيد على قنبلة الحقيبة ودلّه كيف يوقتها. وبتاريخ 5 نيسان ابريل اعيد الى لندن حيث سلمت له القنبلة والمفجر من قبل شخص ظنه الهنداوي بانه يعمل موظفاً لدى شركة الطيران العربية السورية.
وكان اعترافه هذا هو اساس قضية الادعاء ضده في المحاكمة التي جرت في اولدبيلي في شهر تشرين الاول اكتوبر 1986. الا ان هنداوي غيَّر في المحكمة اعترافه السابق وادعى بانه كان ضحية مؤامرة قد يكون قام بها عملاء اسرائيليون. كما ادعى بأن المحقق البريطاني الذي القى القبض عليه وشارك في استجوابه، هدده بتسليمه الى الموساد واخبره بأن اباه وامه المقيمين في لندن هما ايضاً رهن الاعتقال. واشتكى بأن الشرطة قوّلت عليه بيانات واجبرته على توقيعها دون ان يقرأها. غير ان هيئة المحلفين البريطانيين لم تأخذ بأقواله ووجدت انه مذنب، وحكم عليه بالسجن لمدة 45 عاماً، وهي اطول مدة حكم في التاريخ الجنائي البريطاني. ولم تمض ساعات على صدور الحكم حتى عمدت بريطانيا الى قطع علاقاتها مع سورية وحثت حلفاءها على ان تحذو حذوها.
غير ان رئيس وزراء فرنسا جاك شيراك اعطى تصريحاً اغضب السيدة تاتشر اذ قال لجريدة "واشنطن تايمز" في 10 تشرين الثاني نوفمبر 1986 ان المستشار الالماني كول ووزير خارجيته غينشر يعتقدان بأن "مؤامرة هنداوي كانت عملية اثارة مصممة لاحراج سورية وزعزعة نظام الاسد" وانه "يشتبه بأن وراءها اشخاصاً مرتبطين بالموساد". واضاف شيراك بانه ميال الى مشاركة كول وغينشر اعتقادهما.

مؤامرة اسرائيلية

ان اسرة الهنداوي هي من اصل فلسطيني كانت استقرت بقرية الباقورة في الجانب الشرقي من الاردن. وكان لهذه الاسرة تاريخ من العلاقات مع الموساد. فالاب كان يعمل طباخاً في السفارة الاردنية بلندن قبل ان يُكتشف بانه عميل اسرائيلي. وقد صدر عليه غيابياً حكم اردني بالاعدام. غير انه نجا من تنفيذ الحكم به عن طريق بقائه في بريطانيا. وفي شقة هذا الاب الواقعة في احدى ضواحي لندن خبأ نزار هنداوي حقيبة القنبلة لمدة عشرة ايام خلال شهر نيسان ابريل 1986. بل ان نزار هنداوي نفسه كان له سجل كعميل صغير للمخابرات لا يملك اي التزام عقائدي. وقد اخبرني رسمي اردني كبير ان هنداوي سبق له وقام بمهمات صغيرة مختلفة لحساب سورية ضد الاردن ولحساب الاردن ضد الفلسطينيين، وكذلك لحساب الحزب الشيوعي الاردني السري وللموساد.. وانه "تلقى اجراً عن ذلك كله".
وقد ظل لسنوات عبارة عن بيدق قليل الشأن يتنقل على الارضية الوسطى ذات الظلال بين اجهزة مخابرات الشرق الاوسط. وفي ضوء سجله ذاك فان الاردن رفض ان يجدد له جواز سفره عام 1985 فعرض خدماته على سورية. وكان في حادثة هيثرو عدد من النواحي الغريبة والشاذة في طريقة تصرفه: فقد هرع الى السفارة عندما تم اكتشاف امر القنبلة وطلب من السفير ان يساعده وقد تنصتت المخابرات البريطانية على حوارهما، وما لبث ان هرب من رجال الامن السوريين ولم يحاول ان يختفي او ان يهرب خارج البلاد. وبدلاً من هذا كله فانه قام بتسليم نفسه، وبدا وكأنه فعل ذلك بهدف ان يورط السوريين.
وبالطبع، ليس هناك شك في وجود علاقة لمخابرات القوى الجوية السورية بحادثة هيثرو، فهي التي جندت هنداوي، ومنحته جواز سفر سورياً حكومياً يحمل اسماً مستعاراً، وهي التي ارسلته الى لندن وزودته بقنبلة الحقيبة. ولكن افلا يمكن ان يكون هنداوي، وهو الذي عمل لعدد من اجهزة المخابرات، بما فيها الموساد، عبارة عن عميل مزدوج يعمل لسورية ولكن بتوجيه اسرائيلي؟ ام انه جرى زرعه بشكل متعمد لدى السوريين، او رؤي فيه امكانية ان يصبح عميلاً مزدوجاً على اثر تجنيده من قبل السوريين؟ وانطلاقاً من هذه النظرية فان هنداوي كان اداة اختراقٍ اسرائيلي للمخابرات السورية وذلك بأن يؤدي مهمة العميل المحرض في سبيل ان يُسوِّد سمعة سورية بوصمة الدولة الارهابية. واذا كانت هذه النظرية صحيحة فهذا يعني بالتالي ان قنبلة هيثرو لم يكن مقرراً لها ان تنفجر وان اكتشافها من قبل حارس امن اسرائيلي لم يكن سوى تمثيلية لا مسألة يقظة متناهية. وقد يكون هنداوي نفسه قد اقنع بانه سيتلقى حكماً قصير الاجل باعتبار ان احداً لم يصب في الحادث.
ان الخلفية السياسية للحادث تدعم الى حد ما هذا التفسير. ففي 13 آذار مارس 1986 وقع تفجير رهيب لسيارة في وسط مدينة دمشق، وكان ذلك بمثابة بداية لحملة كانت مصممة على ما يبدو لزعزعة نظام الاسد. وفي نيسان ابريل هاجمت الولايات المتحدة ليبيا، وفي 16 نيسان ابريل فُجرت قنابل في شاحنات وقطارات في مختلف انحاء سورية فقتلت ما لا يقل عن 144 شخصاً وجرحت عدداً اكبر بكثير. وفي 17 نيسان ابريل اكتشفت قنبلة هنداوي في مطار هيثرو واستقطبت على الفور ادانة عالمية لسورية.
وعندما سمع الاسد بحادثة هيثرو اعتقد بانها مقدمة لهجوم فعلي على سورية تقوم به اسرائيل وحدها او بمشاركة الولايات المتحدة. واشتبه بأن اعداءه يريدون اسقاطه لفتح الطريق امام الاتفاق الاسرائيلي - الاردني ولتمكين اسرائيل من الهيمنة على المنطقة. وفي حديث اجرته مجلة "تايم" مع الاسد بتاريخ 20 تشرين الاول اكتوبر 1986 قال ان المخابرات الاسرائيلية هي التي خططت لعملية الهنداوي. وقد اخبرني رسميون سوريون كبار انهم بعد ان حققوا في الحادث بعد وقوعه وجدوا ان مخابراتهم كانت سقطت في فخ. وقد ألقي القبض على العقيد مفيد عكور، ضابط مخابرات القوى الجوية، الذي اشار اليه هنداوي في المحكمة، للشك بانه يعمل لصالح اسرائيل. اما رئيسه، العقيد هيثم سعيد فقد اختفى عن الانظار. وفقد رئيس الجهاز اللواء محمد الخولي، الذي كان في السابق يرعى ابو نضال، منصبه الهام ونقل الى منصب آخر في القوى الجوية.
ولكن اذا كانت المخابرات السورية تم اختراقها، فما هو الدور الذي لعبه ابو نضال في ذلك؟ لقد كان هو الذي زود المخابرات السورية بقنبلة الحقيبة. ولكن هل كان هو - او سواه في منظمته. الذي اقنع السوريين بداية بفكرة الهجوم على طائرة العال؟ وهل كانت منظمته هي القناة التي دخل منها الاختراق الاسرائيلي؟ ...

اختطاف طائرة كراتشي

لقد ادت قضية الهنداوي الى توتير علاقات سورية بأبو نضال الى حد كبير، ولكن الحادثة التي قطعت تلك العلاقات كانت اختطاف طائرة بان اميركان ضخمة في مطار كراتشي وعلى متنها 368 راكباً، في 5 ايلول سبتمبر 1986.
من الناحية الفنية، كانت تلك عملية كاملة، على الاقل في مراحلها الاولى. فقد استطاع اربعة مسلحين، يرتدون زي موظفي الامن الباكستانيين ويركبون سيارة تشبه سيارات الشرطة، بشكل يُسهل مرورها، ان يدخلوا المطار ويصعدوا الى الطائرة - بوينغ 747 - عندما توقفت للتزود بالوقود وهي في طريقها من بومباي الى نيويورك. وسرعان ما تغلبوا على الركاب والطاقم. غير ان الامور بدأت تتجه لغير صالحهم بعد بضع ساعات. فقد استطاع القبطان ان يقفز من مقعده وبذلك شلت حركة الطائرة. وفقد الخاطفون اعصابهم وبدأوا يطلقون النار. وعندما اقتحمت قوات الجيش والشرطة الباكستانية الطائرة، فتح احدهم مخرج طوارئ وبدأ الركاب المتصارخون يتدحرجون خارج الطائرة. وقد قتل اكثر من عشرين شخصاً في الفوضى المضطربة قبل ان يستسلم الخاطفون.
كان الفريق الذي نفذ العملية تدرب على نموذج للطائرة في معسكر البقاع الذي تديره مديرية مخابرات ابو نضال. ومن اجل اقناعهم بالتطوع، قيل لهم ان الطائرة ستؤخذ الى اسرائيل وتفجر فوق منشأة عسكرية هامة. غير ان قائد الفريق، واسمه الحركي عباس، الذي كان مقرراً ان يحمل المتفجرات في زنار على خاصرته، صدرت له تعليمات بأن يفجر الطائرة بمجرد ان تحلق في الجو. وكان عباس وفريقه مستعدين للموت. وبعد استكمال تدريبهم نقلوا الى سورية وأُوعز اليهم ان يستعدوا للمغادرة عن طريق مطار دمشق. لكن العملية فشلت.
وقد انكر الناطق باسم منظمة ابو نضال اية علاقة بهذه العملية ولم يدرك اعضاء المنظمة ان العملية كانت من صنع منظمتهم حقاً الا بعد ان ظهرت صور الخاطفين في الصحف فتعرفوا عليهم.

دور كارتر في طرد ابو نضال

اعتبارا من صيف عام 1986، شرع ابو نضال ينقل منظمته بهدوء الى خارج سورية. فقد شعر بأن المناخ لم يعد مواتياً له، ولم يكن يرغب في ان يفاجأ بأمر طرد على حين غرة. وكانت اول حركة قام بها ان اصدر تعليماته الى عبدالرحمن عيسى، مدير مخابراته، بنقل محفوظات ارشيف المنظمة وغيرها من المواد الوثائقية المهمة الى ليبيا. وفي الوقت نفسه، تم التخلص من عدد من المكاتب والشقق. وكان السوريون يظنون بأنه كان يعمل من دزينة من المباني، غير انهم دهشوا فيما بعد عندما اكتشفوا بأن المنظمة كانت تحتل اكثر من 200 موقع. ولم يُعثر على وثيقة واحدة او حتى قصاصة ورق في اي منها.
ولكن على رغم التخطيط الجيد لعملية الانتقال الا ان شيئاً مهماً جرى نسيانه عن طريق الخطأ. كان ذلك مخبأ سلاح. وطوال سنوات عديدة، ظل عبدالرحمن عيسى وغيره، بناء على تعليمات ابو نضال، يهرّبون اسلحة الى سورية.. حقائب ملأى بالمسدسات والرشاشات جيء بها على يد حملة جوازات سفر ديبلوماسية ليبية. وقد حذر عيسى ابو نضال بقوله: "اذا عثر السوريون على بندقية واحدة، فسنقع في مشاكل". فرد عليه ابو نضال: "انك لا تفهم. ان حليف اليوم هو عدو الغد". وعلى اية حال، فان كتلة كبيرة من السلاح، حوالي 70 رشاشا، معظمها سكوربيون بولندي، وعوزي اسرائيلي كانت قد خبئت داخل حائط والصقت فوقها طبقة من الجص في سرداب في بيت تملكه مديرية مخابرات المنظمة. ولا شك ان ابو نضال نسي هذه الاسلحة، لأنه خلال الشهور التي كان يخطط فيها لمغادرة سورية امر المسؤولين عن الامور المالية لديه ببيع ذلك البيت، فاشتراه ضابط سوري.
وبعد ذلك بثلاثة اعوام، في 1989، استخرج احدهم مخبأ الاسلحة من مكانه داخل حائط القبو وقدمه الى السوريين كهدية. وعندما سمع الاسد بذلك قيل بأنه هتف متعجبا: "بمثل هذه الترسانة، كان بوسع المعارضة ان تقتلني وتقتل الحكومة كلها!". اما المنظمة فقد دب فيها الذعر عندما وصلها الخبر: من الذي اخطأ؟ من الذي خانهم؟
لم يعرف السوريون بخطف الطائرة المصرية ولم يوافقوا على ذلك في تشرين الثاني نوفمبر 1985، ولا بعمليتي روما وفيينا في كانون الاول ديسمبر 1985، ولا بعملية الخطف في كراتشي في ايلول سبتمبر 1986. بل لقد ارسل الباكستانيون الى سورية ملفاً يُظهر بأن مسلحي ابو نضال استخدموا مطار دمشق وغيره من المرافق السورية. ولكن، على الرغم من الاحراج الذي سببته لهم هذه الاعمال الارهابية، والاحتجاجات المتكررة من الولايات المتحدة وغيرها من البلدان، فقد كانت السلطات السورية بطيئة في العمل ضد ابو نضال.
بيد ان قضية الهنداوي هزتهم بصدمة عنيفة مفاجئة. وعندما انتهى التحقيق في هذه القضية المعقدة وتم تقرير وتثبيت المسؤوليات، اقتنع السوريون بأن ابو نضال شريك خطر وان الوقت حان للتخلص منه.
غير ان التحرك في سورية هو عادة شديد البطء، الى درجة ان المسألة لم تصل الى ذروة تأزمها حتى شهر آذار مارس 1987، عندما قام الرئيس الاميركي السابق جيمي كارتر بزيارة شخصية الى دمشق. وكانت وزارة الخارجية الاميركية اعطته ملفاً يتضمن معلومات وطلبت منه ان يثير حادثة كراتشي مع الرئيس الاسد. فطلب الاسد الملف الذي ارسله الباكستانيون الى سورية، وأصيب بصدمة لما قرأه في ذلك الملف الى درجة جعلته يتحرك ويتخذ الاجراءات. وهكذا تم في 1 حزيران يونيو 1987 طرد جميع اعضاء منظمة ابو نضال، مع زوجاتهم واطفالهم من سورية، واغلقت مكاتبهم.
الا ان ابو نضال لم ينتظر صدور امر الطرد. ففي 28 آذار مارس كان ابو نضال غادر سورية. وبصحبة مدير مخابراته عبدالرحمن عيسى توجه اول الامر الى بولونيا، قبل ان يطير الى طرابلس بعد ذلك بيومين في 31 آذار مارس. كانت ليبيا قد اصبحت مقر سكنه الدائم. اما زوجته هيام وأطفالهما الثلاثة نضال، وبادية، وبسام فقد ظلوا في دمشق حتى شهر آب اغسطس، لتفريغ وبيع المنزل الضخم الفاره في الزبداني.
وحسب شهادة عبدالرحمن عيسى المسجلة على الشريط الذي استمعتُ اليه فان الحادي والثلاثين من آذار مارس عام 1987 كان يوماً تاريخياً مشهوداً في مفكرته. ولقد سأله ابو نضال اكثر من مرة: "لماذا تتحدث عن ذلك التاريخ هكذا بلا انقطاع؟" فكان رد عيسى: "لأنه يوم انتهاء حياتنا التعيسة في سورية، واليوم الذي مهّد لسرورنا ومتعتنا الحقيقية في ليبيا!".


عدل سابقا من قبل mi-17 في الثلاثاء يونيو 21 2016, 23:19 عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

mi-17

مشرف
مشرف



كتاب " ابو نضال : بندقيه للايجار " بقلم الكاتب باتريك سيل  Unbena20كتاب " ابو نضال : بندقيه للايجار " بقلم الكاتب باتريك سيل  Unbena11كتاب " ابو نضال : بندقيه للايجار " بقلم الكاتب باتريك سيل  Unbena30
كتاب " ابو نضال : بندقيه للايجار " بقلم الكاتب باتريك سيل  Unbena23




كتاب " ابو نضال : بندقيه للايجار " بقلم الكاتب باتريك سيل  Empty
مُساهمةموضوع: رد: كتاب " ابو نضال : بندقيه للايجار " بقلم الكاتب باتريك سيل    كتاب " ابو نضال : بندقيه للايجار " بقلم الكاتب باتريك سيل  Icon_minitimeالثلاثاء يونيو 21 2016, 23:13

الحلقه السابعه 

ذات يوم بارد ومشرق معاً في شباط فبراير 1984، كان عربيان يتجاذبان حديثاً سرياً طويلاً على الغداء في العاصمة البلغارية صوفيا. كان احدهما فلسطينياً، مدوّراً صغير الجسم داكن البشرة، وفي مشيته عرَجَ خفيف من اثر الضرب الذي تعرض له في سجون الاردن عام 1970. كان ذلك رئيس مخابرات ابو نضال العتيق، عبدالرحمن عيسى. اما الآخر فكان ليبياً طويل القامة، انيقاً، حاد الذكاء، هو ابراهيم البشاري، رئيس المخابرات الخارجية عند القذافي. وقد جاء الاثنان لتمهيد الطريق للجمع بين زعيميهما.
لم يكن ابو نضال والقذافي تعارفا جيداً بعد، غير ان كلاً منهما تتبع الحياة العملية للآخر باهتمام كبير. فقد كان كل منهما يعيش حسب قوانينه الخاصة، ولذلك فان انجذاب الواحد الى الآخر كان مسألة وقت ليس الا. وكانت تجمع بينهما اشياء كثيرة مشتركة، منها ارتياب بالعالم الخارجي.

المصير العظيم

وفي ايار مايو 1984، سافر ابو نضال الى العاصمة الليبية طرابلس، بصحبة عبدالرحمن عيسى، للقاء القذافي للمرة الاولى. وقد حدث ذلك اللقاء في خيمة عربية متعددة الالوان، مغروسة بشكل غريب وسط مهاجع الجنود وغرف الحراسة في ثكنة باب العزيزية، يستخدمها الزعيم الليبي كمكتب وغرفة استقبال. وحسب جميع الروايات، فان الرجلين انسجما معاً بصورة ممتازة واستمر الحديث بينهما ساعات طويلة.
كان ارتياب القذافي بالآخرين وشعوره بانه محاصر، حادين اكثر من المعتاد في ذلك الوقت. فقبل بضعة اسابيع، كان احد رجال الامن داخل المكتب الشعبي الليبي السفارة في ساحة السان جيمس بلندن، فتح النار بشكل جنوني من الطابق الاول على حشد من المتظاهرين ضد القذافي، فقتل الشرطية البريطانية ايفون فلتشر، فقطعت بريطانيا العلاقات الديبلوماسية، وبعد حصار لمكتب الشعب دام تسعة ايام، طردت موظفيه جميعاً. ودعا عدة زعماء غربيين الى وضع استراتيجية مشتركة لمكافحة الارهاب الذي ترعاه ليبيا، الامر الذي استفز القذافي ودفعه للرد بأنه "سيؤذي" البلدان المتآمرة ضده، اذ قال محذراً: "لكل بلد مناطقه الحساسة التي نستطيع ان نضغط عليها".
وحدث ان الضجة الدولية التي اثارها مقتل ايفون فلتشر شجعت واحدة من هذه المجموعات المعارضة، وهي الجبهة الوطنية لانقاذ ليبيا، على محاولة الاطاحة بالقذافي، وهي محاولة وصلت الى ذروتها، بمحض الصدفة، بينما كان ابو نضال في طرابلس مجتمعاً مع القذافي. كان رئيس الجناح العسكري للجبهة الوطنية المذكورة، وهو ضابط ليبي سابق يدعى احمد الحواز استطاع ان يُسرّب مجموعة من المسلحين الى داخل ليبيا، وان يجعلهم يتمترسون في المبنى المواجه تماماً لمدخل ثكنة باب العزيزية. لكن الحوار نفسه لم يكن حسن الحظ مثلهم. فقد دخل تونس بجواز سفر سوداني استعداداً للانضمام الى رجاله في طرابلس. غير ان المخابرات الليبية تلقت تحذيراً فقطعت طريق الحواز وقتلته على الحدود واكتشفت خليته المسلحة في طرابلس فهاجمها الجيش الليبي وتغلب عليها.
وعلى رغم فشل هجوم الجبهة الوطنية فانه ساعد على اقناع القذافي بانه بحاجة الى شخص ما ليقف بوجه أعداء ثورته في الخارج وكذلك بوجه "المستعمرين" الذين كانوا يقدمون لهم الدعم والمساندة. وكان واضحاً ان ابو نضال هو رجله المطلوب لهذه المهمة.
ولقد حاولت دول عربية كثيرة ان تجند فلسطينيين في مخابراتها، اذ انهم كانوا مشتتين في انحاء الدنيا وبارعين ومثقفين، غير انهم لم يجدوا تدبير امور معيشتهم شيئاً سهلاً، ولذا فانهم غالباً ما كانوا عرضة لمثل هذا التجنيد. ومن وجهة نظر القذافي، فان فلسطينياً يتعقب ليبيا منشقاً في اوروبا والولايات المتحدة ربما يكون اقل اثارة للشبهة من ليبي آخر. ذلك ان عملاءه الليبيين غالباً ما كانوا يثبتون عدم كفاءتهم، ويسودون سمعة القذافي في العواصم الاجنبية. ولذا فانه كان في ذلك الوقت بحاجة الى محترف.
واثناء سنوات حكمه الاولى، عندما كان على علاقة جيدة بعرفات، حاول ان يجعل حركة فتح تقوم بأعمال لحسابه فرفضت فتح. كان آخر شيء يحتاج اليه قادة منظمة التحرير الفلسطينية هو زيادة تشويه سمعتهم بتقديم "فرق اغتيال" للقذافي. وحاول القذافي مع جبهة جورج حبش الشعبية، وجبهة احمد جبريل - القيادة العامة، غير انهما كان لديهما من التعقل ما جعلهما يرفضان التعاقد مع القذافي. أما ابو نضال فلم يكن لديه مثل هذه المعيقات. ففي مقابل الحماية والتسهيلات، كان مستعداً لتقديم اية خدمات تطلب منه. فقد عمل للحكومة العراقية ضد الشيوعيين، وضد المعتدلين الفلسطينيين ضد سورية، كما عمل لسورية ضد الملك حسين. ثم اصبح جاهزاً ليعمل للقذافي ضد المعارضة الليبية، وان يشن لحسابه عمليات استعراضية لافتة للانظار ضد اهداف اميركية وبريطانية ومصرية.
وشعر القذافي بانه يحتاج ابو نضال، وانتابته رعشة سرور لتوقع احتمال عمله في خدمته. وكان ابو نضال بدوره محتاجاً الى القذافي لسبيين: فعلاقته مع سورية لم تحقق توقعاته. كما ان توسعه في لبنان كان يكلفه اموالاً طائلة اذ ان "جيش الشعب" الذي قوامه 1500 رجل كان يجب دفع رواتبه، وكان يهدد بأن يُفقد منظمته توازنها، لذلك ظن ان الانتقال الى ليبيا قد يحل له المشكلتين معاً بحركة واحدة. وهكذا اتفق ابو نضال مع القذافي.
لقد انطلقت علاقة ابو نضال بالقذافي فعلاً عام 1985، الا انها لم تكن صافية دائماً من دون غيوم. والحق انها، كعلاقاته بانظمة عربية اخرى، كانت تعتمد على حالة العلاقات بين ليبيا وفتح. فعندما كان القذافي ينسجم وياسر عرفات، كان أبو نضال يفقد حظوته. اما عندما يتشاجر القذافي وعرفات فإن ابو نضال يصبح ضيفاً مكرماً في بلاط الزعيم الليبي. وقبل ذلك بعقد من الزمن، في عام 1975، كان ابو نضال ارسل بعض صغار كوادره، وجلهم من الطلبة والمعلمين، ليعيشوا بشكل سري مكتوم في طرابلس وبنغازي، حيث كلفوا بنشر الدعاية له وتوزيع ادبيات منظمته. وفي عام 1977، عندما وصلت ليبيا ومصر الى حافة الحرب، ايد هؤلاء الناس ليبيا، بل لقد ذهب بعضهم الى حد التطوع بالذهاب الى الجبهة. فكان ذلك عرضاً للولاء اغرى الليبيين بالسماح للمنظمة بفتح مكتب في شارع عمر المختار بطرابلس.
ولعل الاهم من ذلك ان القذافي كان وقتها على علاقة سيئة بفتح، ولا سيما مع ابو اياد، في اعقاب المشاجرة بينهما عندما كانا ضيفين على الرئيس الجزائري هواري بومدين، فقد حث القذافي حركة فتح على تبني كتابه الاخضر باعتباره انجيلاً عقائدياً لها. ولكن ابو اياد - كما روى لي فيما بعد - لم يستطع ان يمنع نفسه من الضحك على هذا الاقتراح قائلاً للقذافي "انه ليس كتاباً على الاطلاق. واياً كان الذي كتبه لك، فقد اصابك بضرر جسيم!". وقد بلغ الغضب بالقذافي مبلغاً جعله يقطع المساعدة عن منظمة التحرير الفلسطينية في عام 1977 - 1978، وكانت تصل الى 12 مليون دولار في العام نقداً و50 مليوناً اخرى على شكل مخازن وتجهيزات وعتاد. وكان هناك مصدر آخر لبرود العلاقات - ولعله اهم - : رفض فتح ان توافق على طلب القذافي بخطف او قتل شخصية بارزة من المعارضة الليبية، هي عبدالمنعم الهوني، احد المؤسسين الاصليين لحركة الضباط الاحرار والرئيس السابق للمخابرات الليبية. وكان اختلف مع القذافي ولجأ الى مصر. فكان العقيد يريد رأسه.
وهكذا كانت لجماعة ابو نضال الحظوة في طرابلس فترة في عامي 1977 و1978، الا ان ذلك لم يدم طويلاً. فعندما بدأ ابو نضال يقتل المعتدلين الفلسطينيين من اعضاء منظمة التحرير - قتل سعيد حمامي في لندن في كانون الثاني يناير 1978، وقتل علي ياسين في الكويت في حزيران يونيو - ردت فتح بمهاجمة مكتب منظمة ابو نضال في طرابلس وقتلت اثنين من رجاله وقيل بأن ذلك تم بتواطؤ من وزير الداخلية الليبي، العقيد الخويلدي الحميدي الذي كان يتعاطف مع فتح. فقرر الليبيون اغلاق المكتب وترحيل اعضائه. وتم تفكيك الخلايا التي اقاموها. وفي محاولة لترقيع العلاقات قام ابو نضال بزيارة خاطفة الى طرابلس في 30 كانون الاول ديسمبر 1979 لمقابلة الرجل الثاني عبدالسلام جلود، ولكنه لم يدع لمقابلة القذافي. فعلى رغم المشاحنة مع ابو اياد، لم تكن للقذافي مصلحة في تنفير عرفات بصورة جدية او وضع ثقله الى جانب منظمة العراق. فلقد كان ابو نضال، على رغم كل شيء يعتبر صنيعة العراق.
وهكذا كان على ابو نضال الانتظار حتى عام 1982 للحصول على فرصة اخرى لترك بصمته في ليبيا، ومرة اخرى كانت تلك الفرصة نتيجة انهيار علاقات فتح - ليبيا، فاثناء حصار اسرائيل لبيروت، عندما كان الفلسطينيون صامدين تحت القصف الاسرائيلي الشديد، بعث القذافي الى عرفات ببرقيته التي اصبحت مشهورة، والتي حثه فيها على الانتحار بدلاً من السماح لاسرائيل بطرده. فرد عرفات بأن مقاتليه مستعدون للتضحية العظمى شريطة ان ينضم القذافي اليهم، واضاف بمرارة لاذعة ان وضعه ما كان ليصبح يائساً لو ان القذافي سلّمه الاسلحة التي وعد بها. وشعر القذافي بالاهانة، فبردت مشاعره تجاه عرفات. وعندما وقع تمرد الانتفاضة في فتح وبرزت "جبهة الانقاذ الوطني" ومقرها في سورية، لتجمع معظم معارضي عرفات من الفلسطينيين، كان القذافي سريعاً في تقديم الدعم لها. وبذلك اصبحت الظروف مواتية لعودة ابو نضال الى دخول ليبيا.
كانت تلك خلفية وصوله الى هناك في عام 1985. وكان استقراره في ليبيا ايذاناً بان ابو نضال نفسه جعل من ليبيا قاعدته الاساسية. وسرعان ما حلت كوادر من مديريات اخرى في ليبيا. ووضعت الطائرات والسفارات، وجوازات السفر والحقائب الديبلوماسية والاتصالات الليبية تحت تصرف ابونضال. وحالما بدأت العلاقة تتسع وتزداد حرارة، راح القذافي يعطي ابو نضال دارات فيللات وشققاً في طرابلس، ودوراً للسكن خارج العاصمة ومزرعتين... وكل ذلك مجاناً. وكانت معظم هذه الاملاك صودرت من المعارضة الليبية التي فرت الى الخارج.
وكان الليبيون كرماء في بطاقات السفر الجوية، ونفقات الاسفار، والضيافة بكل انواعها، يفتحون للاعضاء العابرين الفنادق والدارات الخاصة. وبعد ذلك بعام، في 1986 قدمت المخابرات الليبية للمنظمة خطوط هاتف دولية، وكانت عندئذ سلعة نفيسة لأن الهاتف المباشر تم قطعه بعد الهجوم الاميركي على ليبيا في نيسان ابريل 1986، واصبح لزاماً على كل المكالمات الدولية ان تخرج عن طريق عامل مقسم الهاتف. ولم يكتف الليبيون بتقديم الخطوط، بل اخذوا يدفعون فواتيرها.
والاهم من ذلك ان الليبيين ساعدوا المنظمة، اعتباراً من عام 1985، فصاعداً، على نقل الاسلحة الى داخل ليبيا وتخزينها هناك، وكذلك نقلها الى خارج ليبيا واخفائها في مستودعات في اوروبا وافريقيا وآسيا. وفي بعض الحالات كانت الاسلحة تعطى بأيدي الليبيين الى اعضاء المنظمة وهم على متن الطائرات في مطار طرابلس، وفي حالات اخرى كانت الاسلحة ترسل الى الخارج في الحقائب الديبلوماسية وتعطى باليد لاعضاء المنظمة في السفارات الليبية. ومن النواحي العملية جميعاً، لم يعد ابو نضال مستقلاً في عمله. فقد كانت اماكن عمله وسكنه الاساسية هو ومنظمته، وكذلك التسهيلات التي تجعل نوع عمله ممكناً... كلها هدايا من المخابرات الليبية. واصبح ارتباطه بالمخابرات الليبية لصيقاً ووثيقاً الى درجة جعلت التمييز بينه وبينها مستحيلاً.

"احتفظوا بكبريائكم لأنفسكم"

وكان ابو نضال سريعاً في ادراكه لفقر ليبيا في مصادر جمع المعلومات السرية. فشبكاتها كان موظفوها سيئي التدريب، وكان ضباطها يعتمدون بسهولة على غيرهم ليقوم عنهم بالعمل. وكما وصف احد المصادر هذا الوضع: "اذا قلت لليبيين سوف احصل لكم على معلومات تشاد، فإنهم سيوقفون كل وسائل استعلاماتهم وينتظرون منك ان تقدم لهم ملفاً على طبق". وهكذا، فبالاضافة الى الاستطلاع والمضايقات واغتيال المعارضة الليبية في الخارج، راح ابو نضال يشغّل منظمته بجمع المعلومات لحساب ليبيا. واغرق ابو نضال نفسه في هذه المهمة، وسرعان ما صارت له السيطرة الفعلية على جهاز المخابرات الليبية.
وبالنسبة لابو نضال، كانت سنوات 1985 - 1987 فترة غموض مثمر، وجد نفسه فيها محشوراً بين سورية وليبيا. ولكن لم يكن هناك اي شك في اي منهما يفضل. فلقد دعاه القذافي الى صميم النظام الليبي، حيث كان يحب ان يستقر. وسمح له الليبيون بالتنظيم والدعوة في صفوف المجتمع الفلسطيني المقيم بين ظهرانيهم، وشن حملة دعاية نشيطة لمنظمته، وباختصار… ان يكون فعالاً بنشاط في الحقل السياسي.
لقد اصبح القذافي وابو نضال شريكين. وقال المقربون المطلعون على بواطن الامور الذين حضروا اجتماعاتهما الكثيرة بأن كلاً منهما راح يستمتع بمحبة الاخر بشكل هائل، ويمضيان وقتهما بسعادة معاً وهما يهاجمان اعداءهما قبل الشروع بالتخطيط لتدميرهم.
شهدت سنوات 1987 - 1990 تركيزاً لقوات ابو نضال في ليبيا على صعيد المعسكرات، والمزارع والمكاتب والمنازل الكثيرة التي وضعها القذافي تحت تصرفه. كانت المنظمة تقوم بتشغيل محطتين للاذاعة، واحدة تصل ما بين امانة السر والمعسكر الصحراوي، والاخرى تصل امانة السر مع كل من لبنان والجزائر.
وفي ليبيا تقابل افراد جماعة ابو نضال مع ممثلي الجيش الاحمر الياباني، ومع جيش الشعب الجديد الفلبيني. كما جرى تشجيعهم ليدعوا الى ليبيا من يريدون من الجماعات المسلحة الاجنبية او من الاحزاب السياسية التي يتوخون اقامة علاقات عمل معها.
كانت علاقات ابو نضال تتم عن طريقين: المخابرات الليبية والقذافي نفسه. ولم تكن له علاقة ما مع اي من الهيئات الحكومية الليبية الاخرى التي لم تقع انظارها عليه ابداً. ولم يكن مسموحاً لأحد في المنظمة ان يعلم عن طبيعة علاقة ابو نضال الحقيقية مع ليبيا: فكل الاتصالات مع الليبيين كانت تمر عبره.
وكان الزعيم الليبي يعامله بكرم يفوق ما عامل به الفلسطينيين الآخرين، وكان يدفع له مرتباً شهرياً لتغطية نفقاته في ليبيا، ويسمح له بأن يدخل اليها دولارات وبأن يصرفها في السوق السوداء. كما كان القذافي يمنحه مبالغ من المال لاستثمارها في اوروبا وفي غيرها وذلك في سبيل ان يتوفر له دخل يغطي نفقاته في لبنان، وهي طريقة كان ابو نضال يفضلها لأنها كانت تمنحه الاستقلالية والحماية من اي توقف مالي مفاجئ.
ولما كان ابو نضال مسكوناً بهاجس امنه الشخصي. فقد نزع الى الالتصاق بدوائر المخابرات والامن في البلد المضيف. وعمل كل ما بوسعه لينال حظوة عبدالله السنوسي، اهم رجال امن القذافي، وكان يناديه بكلمة "سيدي" تماماً مثلما يخاطب الجندي رئيسه الضابط. وكان ينادي القذافي بـپ"القائد" وكان على الصعيد الخاص يوبخ اعضاء منظمته اذا تجرأوا واشاروا الى الرئيس الليبي بلقب "الاخ معمر" وكان يصفه بمبالغة زائدة بأنه "صلاح الدين الجديد". ولم يكن مسموحاً بأن تظهر اي اشارة انتقاد لليبيا في اي تقرير داخلي للمنظمة، خشية ان يقع ذلك في ايدي الليبيين.
واذا ما تجرأ احد في المكتب السياسي واحتج على فقدان المنظمة لاستقلالها وتحولها الى صنيعة السياسة الليبية، فإن ابو نضال يستشيط غضباً ويدعي بأن مثل هذا الكلام السائب قد يودي بهم جميعاً، ويقول لهم: "احتفظوا بكبريائكم لأنفسكم. ان علي ان احميكم انتم والمنظمة!". لكنه في بعض الاحيان ولكي يدفع عن نفسه تلك الاتهامات، كان يتباهى بالادعاء بأن يدىه تمسكان بخناق الليبيين، وبأنه يعرف عنهم الكثير، ولذلك لا يقدرون ابداً على الخلاص منه.
وكان اعضاء المكتب السياسي واللجنة المركزية يذهبون من آن لآخر الى الجزائر ويعيشون فيها لفترة ما، باعتبار ان ابو نضال كان يرى في الجزائر ملجأ بديلاً اذا ما ناصبه القذافي العداء. بل انه فكر في احد الاوقات ان ينقل اليها زوجته واولاده. وكان حريصاً على توسيع علاقاته مع المخابرات الجزائرية التي بدأها عام 1986. وكان الجزائريون بدورهم يرغبون في البقاء على اتصال مع جميع الفئات الفلسطينية، وفي المساعدة على تسوية مشاجراتهم كلما امكن ذلك.

قنابل ابو نضال في الخرطوم

بعد مضي اشهر على بداية الانتفاضة في كانون الاول ديسمبر 1987، قام ابو نضال بثلاث عمليات اساءت الى القضية الفلسطينية. كانت قبرص، دائمة التعاطف مع الفلسطينيين، وقد دعمتهم دعماً قوياً خلال الحصار الاسرائيلي لبيروت عام 1982، وكانت ملاذهم حين اغلقت دول عربية عدة ابوابها في وجوههم.
في 11 ايار مايو 1988 فجرت منظمة ابو نضال سيارة مفخخة في نيقوسيا فقتلت وجرحت خمسة عشر شخصاً، بينهم امرأة قبرصية كانت تقود سيارتها خلف تلك السيارة المفخخة، كما قتلت ايضاً ديبلوماسياً قبرصياً هو آندرياس فرانكوس الذي كان يسير بالقرب من مكان الحادث. وقد ادعى ابو نضال داخل منظمته ان هدف العملية هو تفجير السفارة الاسرائيلية، غير ان السيارة انفجرت على بعد مائتي ياردة من مبنى السفارة التي لم تصب بأية اضرار. وعلى اثر الحادث انقلب الرأي العام القبرصي ضد الفلسطينيين، وشددت السلطات القبرصية مراقبتها على الفلسطينيين القادمين والذاهبين، وتم طرد عدد من الفلسطينيين المقيمين في الجزيرة.
وبعد اربعة ايام من حادثة قنبلة نيقوسيا، شن رجال ابو نضال هجومين في السودان، وهو بلد اكثر تأييداً للفلسطينيين من قبرص. ففي هجومين موقتين في الساعة الثامنة من مساء 15 ايار مايو 1988 قامت مجموعة ضاربة بالاعتداء على هدفين سهلي المنال في الخرطوم، هما: نادي السودان المخصص للبريطانيين ولمواطني الكومونولث الذين فتحت عليهم نار الرشاشات، وفندق اكروبول، وهو مؤسسة يونانية قديمة، حيث القى المهاجمون على مطعم الفندق حقيبة ملأى بالقنابل فقتلوا نادلاً وجنرالاً سودانيين، وخمسة بريطانيين، واصابوا 17 آخر بجروح.
وحاول ابو نضال تبرير الهجومين امام رفاقه حين ادعى بأنهما موجهان ضد الاماكن التي يتواجد فيها يهود الفلاشا الهاربون الى اسرائيل من اثيوبيا. غير انه لم يكن لا في نادي السودان ولا في فندق أكروبول ما يدعم ذلك الادعاء.
وقد ادت تلك العملية، التي استنكرتها بشدة الحكومة السودانية والمعارضة، الى تشويه الصورة الفلسطينية تشويهاً بالغاً، وخلقت للمقاتلين الفلسطينيين، الذين لجأوا الى السودان بعد ان طردوا من لبنان مشاكل كبيرة لدى السلطات السودانية. وبعد اسابيع من الهجومين اصدر ابو نضال بياناً باسم منظمة موهومة هي "خلايا الفدائيين العرب" ادعى فيه ان الاهداف كانت "اعشاشاً للجواسيس الاجانب". غير ان البيان الطويل المؤلف من عدة صفحات انتقل الى مناقشة الاحوال السياسية والاقتصادية في السودان كي يظهر ان المعارضة السودانية كانت متورطة في الهجومين، بينما لم يكن لدى هذه المعارضة اي مصلحة في ان ترى فئة اجنبية ذات اساليب ارهابية خسيسة، تتستر بغطاء الوطنية السودانية وتنتحل اسمها، ولذلك اغضبتها محاولة ابو نضال في ان يتدخل بأمرها ويستغل كفاحها. وقد القي القبض على خمسة من شبان ابو نضال تتراوح اعمارهم بين 22 و30 عاماً وحكم عليهم بالاعدام. غير ان الاحكام لم تنفذ لأن الرأي العام السوداني على رغم اشمئزازه من تلك الاعتداءات كان لا يرضى بأن يعدم اشخاص يطلقون على انفسهم اسم "المقاومين الفلسطينيين". وقد نددت جمعية المحامين السودانيين بهؤلاء الا انها، بسبب تعاطفها مع القضية الفلسطينية، توكلت بالدفاع عنهم. وفي 7 كانون الثاني يناير 1991 تم الافراج عن هؤلاء الخمسة، ما سبب امتعاضاً لدى السودانيين.
وذكر لي بعض رفاقه السابقين ان ابو نضال، "باع" العملية الى القذافي على اساس انها وسيلة لإحراج وإسقاط الحكومة الجديدة التي كان شكلها رئيس الوزراء الصادق المهدي قبل ايام أي في 11 ايار مايو 1988، فلقد جمعت حكومة "الوحدة الوطنية" تلك ما بين القوى السياسية الرئيسية في البلاد وهي: حزب الامة الذي يرأسه المهدي، والحزب الديموقراطي الوحدوي الصديق لمصر، والجبهة القومية الاسلامية وهي الفرع المحلي للاخوان المسلمين التي كانت تعمل على تطبيق الشريعة الاسلامية. اما متمردو جون قرنق الجنوبيون، الذين كانوا لسنوات يشنون حرباً ضد حكومة الخرطوم وضد تطبيق الشريعة الاسلامية، فلم يجر ادخالهم في الحكومة الجديدة. ولم تعجب هذه التطورات القذافي لانه كان يرغب في زيادة نفوذه في السودان كي يقلل من النفوذ المصري وليضغط على التشاد. ومن هنا رحب بما قام به ابو نضال لزعزعة الخرطوم.
وكان لابو نضال ثاراته الشخصية ليسدد حسابه مع السودان. فقبل سنتين، في عام 1986، كان ارسل مبعوثاً سرياً الى الخرطوم يحمل جواز سفر ليبياً تحت اسم ابراهيم حسين المغربي وينتحل صفة رجل الاعمال. اما اسمه الحقيقي فكان عبدالكريم محمد وكان عضواً في ادارة ابو نضال السياسية. غير ان اتصالاته في الخرطوم ادت الى شكاو من مصر، ومن منظمة التحرير، ومن الولايات المتحدة، فقامت السودان في نهاية الامر بطرده ولكنه قبل ان يغادر تسلم اسلحة ارسلها له ابو نضال وخبأها، ويُرجح ان الاسلحة وصلته ضمن الحقيبة الديبلوماسية الليبية واستعملت فيما بعد في الهجومين. وقد حاول ابو نضال، من خلال سلسلة من المذكرات الى رئيس الوزراء الصادق المهدي إعادة رجله الى السودان ولكن من دون جدوى، ما خلق لديه شعوراً بالامتعاض. فأبو نضال بدأ في السودان ممثلاً لفتح، وكان حساساً جداً ازاء اي اهمال او ازدراء يأتيانه من جانب الاقطار التي عاش فيها والتي كان يدّعي ان له فيها قدراً كبيراً من النفوذ. ولا شك ان شعور الانتقام ساهم في املاء اختيار الخرطوم هدفاً لقنابله.
وكان للقصة منعطف آخر. فعندما كان رجاله الخمسة رهن الاعتقال، حاول ابو نضال رشو الحكومة السودانية للافراج عنهم. واتصل بالسفارة السودانية في الجزائر، وعرض عليها تقديم 250 الف دولار لضحايا الفيضان في السودان، وأوفد اثنين من اعضائه الى الخرطوم يحملان المال الذي قبله احد الوزراء، وأشير الى هذه المنحة في وسائل الاعلام السودانية. غير انه عندما اثار الموفدان بطريقة فجّة مسألة السجناء الخمسة، ادركت الحكومة السودانية ان هبة ابو نضال مربوطة بطلبات، فعمدت الى طرد الموفدين، وبذلك زاد ابو نضال من تأزم موقف كان سيئاً اصلاً.

الهجوم على السفينة اليونانية

ضربة خطيرة اخرى آذت الفلسطينيين هي الهجوم بالقنابل والرشاشات في 11 تموز يوليو 1988 على سفينة الرحلات البحرية اليونانية "سيتي اوف بوروس" بينما كانت تمخر مبتعدة عن اثينا، وكان على متنها مئات من السياح. فقد قام خمسة من رجال ابو نضال بقتل تسعة من ركابها وجرح ثمانين آخرين، ولم يكن هناك اية مصلحة فلسطينية او عربية يمكن تصورها للقيام بتلك الوحشية العشوائية. فاليونان كانت اكثر الدول الاوروبية تعاطفاً مع القضية الفلسطينية، وكان رئيس وزرائها آندرياس باباندريو اقوى مدافع اوروبي عن العرب ضد اتهامات الارهاب التي تلصقها اسرائيل بهم. وعلى سبيل المثال، وفي ذروة قضية نزار هنداوي عام 1986 عندما اعتقدت سورية انها كانت ضحية حملة "أحابيل اسرائيلية قذرة"، استقبل باباندريو الرئيس حافظ الاسد في اثينا ووفر له منبراً ليدافع عن نفسه. ومن هنا غدت اليونان هدفاً اختاره ابو نضال لهجومه ليثير غضب اليونانيين ضد الفلسطينيين، ويخرّب صناعة السياحة اليونانية المهمة، ويسرّع في سقوط حكومة باباندريو.
وقد عتم الهجوم على السفينة "سيتي اوف بوروس" على حادث آخر وقع في اليوم ذاته في اثينا، حين انفجرت سيارة كانت متجهة نحو عبّارة بحرية وادت الى مقتل سائقها، وتبين ان بصماته تطابق بصمات ارهابي عند ابو نضال كان قاد قبل عشر سنوات في قبرص في 18 شباط فبراير 1978 الفريق الذي اغتال صديق انور السادات الكاتب المصري يوسف السباعي، وحاول حينذاك الهروب بطائرة بعد ان حجز رهائن، ولكن الطائرة اضطرت الى العودة به الى قبرص بعد ان حيل بينها وبين الهبوط في اي مكان آخر. وقد ادى الحادث يومها، كما سبق واشرنا الى نشوب معركة بالبنادق بين المغاوير المصريين والحرس الوطني القبرصي.
اما "نجم" تلك العملية فهو سميح محمد خضر الذي كان اصبح على مدى سنوات الشخص الفعال في ادارة مخابرات ابو نضال. كان خبير متفجرات، وبارعاً في استعمال الاسلحة، وعارفاً بتفاصيل امكنة مخابئ اسلحة ابو نضال في الخارج. وعندما قُتل في انفجار سيارته بأثينا كان يشغل منصب رئيس ادارة المخابرات الخارجية وسبق له وقام بعدد من العلميات، كان من بينها القاء القنابل على مقاهٍ في الكويت. وكان حتى وقت مصرعه على رصيف الميناء هو العقل المدبر لعملية سفينة "سيتي اوف بوروس". وتبين ان المفاتيح التي عثر عليها في سيارته هي مفاتيح شقته في السويد حيث كانت تعيش احدى زوجاته الاجنبيات الثلاث وحيث كان من المفترض، حسبما ذكرت مصادر المنظمة، ان يذهب ليستخفي فيها بعد العملية.
ولكن هل كان موته مجرد مصادفة؟ ان كثيرين من رفاقه السابقين لا يعتقدون ذلك. فبعد ان انشق عبدالرحمن عيسى عن المنظمة أعلم ابو اياد استناداً الى روايته التي سمعتها من شريط تسجيلها ان موت سميح محمد خضر رتّبه ابو نضال بنفسه. واوضح عيسى ان الهجوم على سفينة "سيتي اوف بوروس" كان مخططاً له ليكون مهمة انتحارية، على اساس ان تلحق بالفريق الضارب الى السفينة سيارة محملة بالديناميت بعد ان وقّت انفجارها بعد 60 دقيقة. وكانت الخطة تقضي بأن يقود سميح السيارة بنفسه نحو العبّارة وهي معدة للشحن، وان يسلمها الى احد افراد الفريق الضارب. غير ان سميح لم يكن يدري ان ابو نضال كان اعطى الاوامر الى احد رجاله، هو هشام حرب، بأن يوقّت انفجار السيارة خلال 15 دقيقة فيقتل سميح وهو وراء مقودها متجهاً بها نحو الرصيف البحري لا ان تنفجر على متن السفينة كما كان مخططاً.
وتقول بعض المصادر داخل المنظمة ان ابو نضال تخلص من خضر لأنه اصبح قوياً اكثر من اللازم، بينما يقول آخرون ان موته كان بمثابة ايماءة لارضاء الحكومات الغربية التي كانت تضغط على ليبيا كي تتوقف عن ايواء الارهابيين، وهناك اخرون مثل عبدالرحمن عيسى نفسه، يقولون ان خضر كان قد تجادل مع ابو نضال بشأن عملية سفينة "سيتي اوف بوروس"، لأنه لم ير لها مبرراً، وظل يتساءل: "ما هي الفائدة منها؟" والواقع ان العملية لم يكن لها اي معنى ابداً باستثناء انها كانت مكيدة لزعزعة العلاقات بين اليونان والفلسطينيين. ويبدو ان خضر الذي لم يكن يعرف عن ارتباط ابو نضال المحتمل مع الموساد راح يطرح اسئلة محرجة شكلت على ما يظهر الدافع الرئيسي لقتله.

صفقة سرية مع فرنسا

في اواخر صيف 1986، بينما كان احد مراكب خفر السواحل الليبية مبحراً بين الشاطئ الليبي ومالطا اوقف وفتش مركباً صغيراً اسمه "سيلكو" كان يستعمل سابقاً لصيد السردين، وكان على متنه رجلان مع زوجتيهما وأربعة اطفال. وكان بعضهم يتحدث بلغة فلمانكية ظن الليبيون انها عبرية، كما كان احد الرجلين يحمل جواز سفر ممهوراً بختم اسرائيلي. وتم سحب المركب الى طرابلس واعتقل ركابه. ولما كان الليبيون سبق وتعرضوا قبل بضعة اشهر لهجوم اميركي وظل يراودهم الخوف من اختراق معادٍ لشاطئهم الممتد مسافة ألفي كيلومتر على البحر الابيض المتوسط فانهم كانوا سريعي التهيج. ولكن الاستيلاء على "سيلكو" كان غلطة فادحة.
وهكذا بدأت واحدة من اغرب قصص احتجاز الرهائن في الشرق الاوسط، فالقذافي لم يجرؤ على الاعلان عن الاستيلاء على المركب "سيلكو" الذي سبب له حرجاً تجاه الرأي العام الفرنسي. ولذلك طلب من ابو نضال ان يدبر قصة يغطي بها العملية، فكان هذا الاخير سعيداً بتلبية الطلب. وفي 8 تشرين الثاني نوفمبر 1987 اعلنت منظمة ابو نضال من بيروت ان مركباً فلسطينيا مسلحاً اسر "سيلكو" قرب شاطئ غزة وان ملاحيه المشتبه بانهم جواسيس اسرائيليون قد اودعوا السجن في جنوب لبنان. وفي هذه الاثناء استقر المحجوزون مع اطفالهم في معتقل مريح نسبياً داخل فيلا ليبية على شاطئ البحر وضعها القذافي تحت تصرفهم. كانوا ايمانويل هوتكنز وزوجته غودليف وابنتيهما لوران وفاليري، وشقيقه فرناند، وهم جميعاً من الجنسية البلجيكية، وصديقة هذا الاخير الفرنسية جاكلين فالانت مع ابنتيها الصغيرتين ماري لور وفيرجيني اللتين، كما تبين فيما بعد، هربت بهما من زوجها الاول باسكال بيتيل قبيل ذهابها في تلك الرحلة البحرية. وخلال فترة الاحتجاز انجبت جاكلين فالانت طفلة ثالثة هي صوفي - ليبيريّه.
وقد تم في نهاية الامر الافراج عن هذه المجموعة المختلطة من الرهائن ولكن على دفعات. وفي نطاق مبادلة واضحة وخلافاً لقرار الاسرة الاوروبية، اعادت فرنسا الى ليبيا ثلاث طائرات حربية من نوع ميراج كانت تحتجزها منذ 1986. وقد بعث الرئيس ميتران برسالة شكر شخصية الى القذافي. بل ان وزير خارجيته رولان دوما تجاوز تلك الخطوة واشاد "ببادرة العقيد النبيلة والانسانية"، ما خلق ضيقاً في لندن وواشنطن اللتين كانتا تعلمان يومها بأن القذافي نفسه كان هو الخاطف لأولئك الرهائن. وكان طمس حقيقة ما جرى للمركب "سيلكو" جزءاً من الثمن الذي انتزعه ابو نضال من الفرنسيين لقاء تعاونه.
ولم يفرج عن الرهائن الاربعة الباقين ايمانويل هوتكينز وزوجته وابنتيه الا في 8 كانون الثاني يناير 1991، فأخذوا من ليبيا جواً الى سورية ومن ثم براً الى جنوب لبنان بهدف الاستمرار في اظهار ان الذي احتجزهم هو ابو نضال وليس القذافي. وهنا ايضاً تم دفع ثمن اطلاق سراحهم، فالرئيس ميتران تحدث من جديد عن "الدور الكبير" الذي قام به القذافي لتأمين الافراج عنهم، كما ان الحكومة البلجيكية وافقت على اطلاق سراح احد رجال ابو نضال، واسمه ناصر السعيد، الذي كان امضى عشرة اعوام من اصل حكم بالسجن المؤبد، بسبب القائه القنابل على باص يقل يهوداً من مدرسة "آغودات اسرائيل" بمدينة آنتويرب عام 1980. حيث قتل في الهجوم فتى عمره 15 سنة وجرح ستة عشر آخرون.
ولعل فرنسا هي اكثر الدول الاوروبية التي اجرى معها ابو نضال صفقات سرية. فبعد اغتيال عزالدين قلق ممثل منظمة التحرير في باريس عام 1978 واكتشاف عدد من مخابئ السلاح، قررت ادارة الامن الداخلي الفرنسية ان افضل وسيلة لتحييد مثل تلك المنظمة هي عقد صفقة معها. وبالفعل جرت عدة لقاءات بين اعضاء من منظمة ابو نضال وضباط الادارة الفرنسية المذكورة في اوائل 1980، وتمت تلك اللقاءات اولاً في بلدان مجاورة لفرنسا ومن ثم في فرنسا نفسها.
وفي عام 1984 وبعض المصادر تقول في عام 1985 عقد اتفاق يسمح بموجبه لممثل سري لأبو نضال بالاقامة في فرنسا ليبقي قناة اتصال مفتوحة مع ادارة الامن الداخلي الفرنسية. وقد تبدل هذا الممثل باستمرار وعرف ان آخر هؤلاء الممثلين الذي كان مقيماً في فرنسا عام 1990 هو اميل صعب، ذو الاصل اللبناني، وكان يقدم تقاريره الى "الدكتور كمال" رئيس ادارة مخابرات ابو نضال في ليبيا. وكان "الدكتور كمال" نفسهه يقوم بزيارات متكررة الى فرنسا. يضاف الى ذلك ان السلطات الفرنسية كانت تمنح من وقت لآخر سمات دخول الى عناصر منظمة ابو نضال، كما سمحت له باقامة مشاريع تجارية، وبمعالجة بعض مرضاه في المستشفيات الفرنسية، واهدته سيارات اسعاف وسيارات "بيجو" في لبنان، وزودته بثلاث او اربع منح دراسية لأفراد من منظمته ليدرسوا في فرنسا.
ومقابل ذلك كله، تعهد ابو نضال بألا يجلب اسلحة الى فرنسا، وألا يشن هجمات على اهداف في اراضيها، وألا يستخدم الاراضي الفرنسية منطلقاً لعمليات في مناطق اخرى. ولا داعي للقول بأن اياً من الضباط الفرنسيين رغب في ان يؤكد حدوث ذلك الاتفاق، على رغم ان تفاصيله نقلها الي افراد سابقون في منظمة ابو نضال كانوا هم انفسهم ممن فاوضوا الفرنسيين.
اما سويسرا فكانت حالة خاصة في مخططات ابو نضال لأن معظم امواله كانت مودعة فيها وكان حريصاً على حمايتها. كان بحاجة الى ميزات في سويسرا مثل اذون الاقامة، وسمات الدخول، وحرية التحرك دخولاً وخروجا له ولأفراد منظمته الرئيسيين. وقد بذل جهده كي يكون على علاقة طيبة مع السلطات السويسرية وكان يوفد باستمرار ممثليه عاطف حمودة من ادارته المالية و"الدكتور كمال" من ادارة مخابراته ليتفاوضا مع السويسريين. غير انه عندما كان يحس بأن الحوار قد فتر معهم فانه لا يتردد في استخدام التدابير العنيفة. ففي عامي 1988 - 1989، عندما تم اكتشاف صفقاته المالية الدولية على اثر انشقاق ضرار عبدالفتاح السلواني مدير مؤسسته التجارية في برلين الشرقية وهروبه الى الغرب خشي ان تذعن سويسرا للضغط وتجمد امواله المودعة لديها، وقام على الفور بتوجيه رسالة الى المخابرات السويسرية يهددها فيها بانه سينزل دماراً في مطار زيوريخ، كما عمد حسب عادته، الى توجيه ضربة وقائية عندما اختطف في تشرين الاول اكتوبر 1989 مواطنين سويسريين يمثلان الصليب الاحمر الدولي في صيدا. وعندما مرت الازمة، افرج عن الرهينتين.
 
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

mi-17

مشرف
مشرف



كتاب " ابو نضال : بندقيه للايجار " بقلم الكاتب باتريك سيل  Unbena20كتاب " ابو نضال : بندقيه للايجار " بقلم الكاتب باتريك سيل  Unbena11كتاب " ابو نضال : بندقيه للايجار " بقلم الكاتب باتريك سيل  Unbena30
كتاب " ابو نضال : بندقيه للايجار " بقلم الكاتب باتريك سيل  Unbena23




كتاب " ابو نضال : بندقيه للايجار " بقلم الكاتب باتريك سيل  Empty
مُساهمةموضوع: رد: كتاب " ابو نضال : بندقيه للايجار " بقلم الكاتب باتريك سيل    كتاب " ابو نضال : بندقيه للايجار " بقلم الكاتب باتريك سيل  Icon_minitimeالثلاثاء يونيو 21 2016, 23:17

الحلقه الثامنه 

بذل ابو نضال جهوداً كبيرة لتأمين وجود له في اوروبا الغربية غير انه لم يحظ الا بنجاح جزئي وبنكسات قليلة. فعلى سبيل المثال، اكتشفت الشرطة السويدية مخبأ للأسلحة قرب مطار ستوكهولم عام 1988، وتعقبت اثر فلسطينيين شقيقين عضوين في منظمته الى بلدة اوميا الصغيرة على بعد 540 كلم من العاصمة وطردتهما من البلاد في كانون الأول ديسمبر 1990. اما الايطاليون فقد رفضوا اقامة اي اتصال مع ابو نضال وأنزلوا بعدد من افراد منظمته احكاماً صارمة، بل انه هو نفسه محكوم عليه بالاعدام في ايطاليا بسبب الهجوم على مكتب تذاكر "العال" في مطار روما.
ولا تزال اسبانيا تعتقل اثنين من رجاله. وقد هيأ الفرنسيون لقاءً في باريس بين ممثليه وبين المخابرات الاسبانية. ولكنّ محاولات ابو نضال الابتزازية كانت من الخشونة بحيث وجد الاسبان ان من الأفضل لهم ان يتجاهلوه، فقد رأوا ان فتح أيّ ثغرة له، مهما صغرت، ستحرك شهيته نحو مزيد من المطالب.
وفي أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات جعل أبو نضال من اسطنبول مركز القيادة السري والرئيسي لعدد من لجانه، واستخدم تركيا مكاناً لتخزين الأسلحة لنقلها منها بعد ذلك الى اوروبا الغربية. غير ان قيامه باغتيال ديبلوماسي أردني في انقرة وهجومه على كنيس يهودي في اسطنبول اهاجا الأتراك ضده، وأصبحت تركيا اليوم واحدة من ألدّ اعدائه الرئيسيين.
اما بريطانيا فقد كانت دوائر استخباراتها وأمنها شديدة العداء ومتجابهة معه منذ محاولته اغتيال السفير الاسرائيلي آرغوف عام 1982. وتقول مصادر مقربة من ابو نضال انه قام بعدة محاولات لاجبار البريطانيين على التعامل معه، فقتل ديبلوماسيين بريطانيين في آثينا وبومباي، واختطف الصحافي البريطاني آليك كوليت في لبنان، وألقى القنابل على مكاتب طيران بريطانية، كما انه عرض تبادل المعلومات عن الجيش الجمهوري الايرلندي التي كان جمعها في ليبيا، غير ان بريطانيا قادت جهداً مخابراتياً اوروبياً منسقاً ضده. ولكنني اعتقد انه ليس هناك تجميع مشترك للمعلومات عنه بين الدول الاوروبية، فكل دولة تحتفظ لنفسها بما تعرفه عنه وتكون مترددة او محرجة في الافصاح للدول الاخرى عن اتصالاتها به.
وحسب قول ابو اياد فان لمنظمة التحرير رغبة كبيرة في العمل عن كثب مع جميع الحكومات الغربية لايقاع الهزيمة بأبو نضال ولإبعاد تهمة الارهاب عن الفلسطينيين. ولكن على رغم مفاتحاته تلك، فقد ظلت عدة ادارات مخابرات اوروبية معرضة عنها. بل انه تشاءم حين رأى عدداً من الذين اغتالوا ممثلي منظمة التحرير في اوروبا يفرج عنهم بعد قضاء سنوات قليلة في السجن. فعلى سبيل المثال، اطلق الفرنسيون في شباط فبراير 1986 سراح قايد حسين وشريكه حسين حاتم قاتلي عز الدين قلق بعد ان امضيا نصف مدة الـپ15 سنة المحكومين بها. وفي البرتغال راح محمد حسين رشيد، احد اعضاء الفريق الضارب الذي ارسل ليغتال عصام سرطاوي راح يقهقه عالياً في المحكمة حين سمع الحكم عليه بالسجن لمدة ثلاث سنوات فقط. ومن وجهة نظر منظمة التحرير فان اوروبا اما كانت منصاعة لابتزاز ابو نضال او انها اختارت بسرعة ان تتخلص من السجناء الذين يمكن ان يؤدي وجودهم في المعتقلات الاوروبية الى اثارة ابو نضال وقيامه بأعمال ارهابية اخرى بهدف تأمين الافراج عنهم.

تعاون مع الجيش الارمني السري

كان ابو نضال يتباهى باستمرار بتحالفاته مع منظمات ارهابية دولية اخرى، غير انه يبدو ان دعاواه هذه لا يدعمها سوى النذر اليسير. واستناداً الى اقوال رفاق ابو نضال السابقين فانه لم يكن له اي نوع من الارتباط مع الجيش الجمهوري الايرلندي، رغم انه كان لليبيا المضيفة لأبو نضال ارتباط بهذا الجيش. اما علاقته التي ادّعاها مع حركة الباسك الانفصالية فلم تكن سوى محض خيال واقتصرت على لقاء واحد في الجزائر تم مع بعض ممثلي الحركة. كذلك الامر بالنسبة للجيش الاحمر الياباني وحركة العمل المباشر الفرنسية فعلاقاته مع الجماعتين كانت جد ضئيلة. وقد قام بعض افراد منظمته بزيارات مجاملة في بلغراد لخالد عبدالناصر، نجل الرئيس المصري الأسبق والرئيس الصوري لـپ"ثورة مصر"، وهي جماعة قامت بهجمات على اهداف اسرائيلية وأميركية في القاهرة. غير ان هؤلاء الافراد عندما قاموا بزياراتهم تلك فانهم كانوا فقط يعربون عن ولائهم لنجل زعيم عربي ولا يصوغون اي ارتباط عملياتي مع هذا الابن. وكان ابو نضال على اتصال مع بعض الفئات المنشقة عن جماعة بادر ماينهوف الالمانية، غير انه لم يكن ثمة تعاون او ارتباط هيكلي معها. اما بالنسبة الى المافيا فقد اجرى معها صفقات صغيرة تتعلق بالاسلحة وجوازات السفر المزورة لا أكثر. وبشكل عام، فان ما تصوره وسائل الاعلام الغربية عن تشابك حميم بين الجماعات الارهابية السرية انما هو ضرب من المبالغة الزائدة.
ولكن كان لأبو نضال بالفعل علاقة بمنظمة الجيش الارمني السري لتحرير ارمينيا "آسالا"، وهي جماعة صغيرة متطرفة ذات ميول مناهضة للغرب وللصهيونية وموالية للعالم الثالث. وقد انشئت في لبنان في منتصف السبعينات وتنامى تطرّفها بفعل النضال الثوري للفئات الفلسطينية التي التقت بها هناك. وتأمل "آسالا"، عن طريق اغتيال الأتراك، بأن تجبر حكومة انقرة على الاعتراف بمسؤولية تركيا السابقة عن مذبحة الارمن، ثم قد يؤدي ذلك الى انشاء دولة ارمنية مستقلة في شرقي الاناضول.
وقد انحدرت فكرة هذه الحركة من كورجين يانيكيان، وهو عجوز أرمني تأخر في الانتقام للوحشية التي ارتكبها الاتراك عام 1915 بحق اسرته، اذ عمد الى اغتيال اثنين من الديبلوماسيين الأتراك في غرفة فندق بمدينة سانتا بارباره عام 1973. وكان من شأن هذه الجريمة انها ايقظت احساس ارمن الشتات بالمحن التي نزلت بأمتهم. وقد جعلت "آسالا" من نفسها الجهة المعارضة لمؤسسة حزب الشتات الارمني المسمى "الاتحاد الثوري الارمني" الذي اتهمته بعدم الفاعلية. وعمدت بدلاً من ذلك الى حشد المتطرفين الشبان حول قضية القومية الارمنية والى اعطائهم مبرراً، يكون عنيفاً في غالب الاحيان للبقاء داخل حظيرة المجتمع الارمني. وفي منتصف الثمانينات كان اغتيل على الاقل 28 ديبلوماسياً تركياً، او ممّن يلوذون بهم في اكثر من عشرين بلداً.
ولما كان يجمع بين الأرمن والفلسطينيين ماضٍ من النفي والتشتت، فانهم اصبحوا حلفاء طبيعيين. ومن هنا تشاركت، بين 1977 و1982، "آسالا" وجماعات فلسطينية متطرفة مثل الجبهة الديموقراطية لتحرير فلسطين في تسهيلات التدريب في جنوب لبنان. غير ان الغزو الاسرائيلي عام 1982 اخرجهم من جنوب لبنان مثلما اخرج من لبنان ايضا اكثر مقاتلي منظمة التحرير. وحين اصبحت "آسالا" بمفردها، بعد خروج الجبهة الديموقراطية، التقطتها منظمة ابو نضال ومنحتها مساعدات مالية وأتاحت لها استعمال قواعد معسكراتها في لبنان.

العمليات الارمنية

ويمكن ايضاح هذه العلاقة باعطاء نبذة عن مجرى النشاط القصير الأجل لرجل "آسالا" الضارب حامل الاسم الحركي هاغوب هاغوبيان الذي كان في نظر البعض "وطنياً مخلصاً" وفي نظر آخرين "ارهابيا محترفاً"، مثله مثل ابو نضال. وكان يعرف في الحلقات الفلسطينية باسم "المجاهد". ولكونه ارمنيا من العراق كان يحسبه الناس عربياً، بل كان كثير من الفلسطينيين لا يعرفون انه ارمني.
وقبل انشاء "آسالا" كان هاغوبيان عضواً في منظمة وديع حداد الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وقد جرح وكاد يقتل في بيروت عام 1976 على يد عضو آخر من هذه الجبهة الذي نعته بأنه عميل للمخابرات السوفياتية. وفي فترة 1982 - 1983 قام إثنان من كبار رجال ابو نضال وهما ابو نزار وعبدالرحمن عيسى، بتقديم هاغوبيان الى ضباط المخابرات الجوية السورية، وخصوصاً الى هيثم سعيد الذي تورط فيما بعد بقضية نزار هنداوي قأقاموا له المآدب وأغرقوه بالهدايا، وكانت النتيجة ان اعطي هاغوبيان تسهيلات في سورية وسمح له باقامة مركز سري لتزوير جوازات السفر ووثائق اخرى بالاستعانة بالبراعة الطباعية المعروفة عن ارمن لبنان.
وقد شجعت شراكة "آسالا" مع ابو نضال على قيامها بعمليات ارهابية واسعة استقطبت كثيراً من الاهتمام المعادي حتى من الارمن انفسهم الذين عملوا في النهاية على تدميرها. ففي ايلول سبتمبر 1982 شنّ ارهابيان ارمنيان هجوماً على مطار انقرة الدولي وقتلا 10 اشخاص وجرحا 80 آخر. وقد القي القبض على احد الارهابيين وحكم عليه بالاعدام، وكشف ان هاغوب هاغوبيان اخبره بأن ابو نضال هو الذي زوّده بالأسلحة التي استعملت في الهجوم. وفي السنة التالية، في تموز يوليو 1983، انفجرت قنبلة موقوتة في مطار اورلي وقتلت ثمانية اشخاص وجرحت اكثر من ستين آخر معظمهم من الأتراك الذين كانوا ينتظرون دورهم لأخذ طائرة تركية متجهة الى انقرة، وهي عملية قد يكون ابو نضال قدم الوسائل اللازمة لارتكابها، وخلال المطاردة التي تلت الحادثة القى الفرنسيون القبض على فاروج كاربيجيان، قائد القوة الضاربة في "آسالا" وحكم عليه بالسجن لأمد طويل.
ولرد الضربة الى فرنسا قام مسلح، يعتقد بأنه هاغوبيان بالذات، في ايلول سبتمبر 1986، بقتل نقيب فرنسي هو كريستيان غوتيير كان يعمل ملحقاً عسكرياً في بيروت الشرقية.
ولكن هاغوبيان كان من التهوّر بحيث انه تباهى بعملية القتل هذه خلال حديث اجرته معه مجلة تصدر بالعربية. وبعد بضعة شهور، في عام 1988، اطلق الرصاص على هاغوب هاغوبيان نفسه فأردي قتيلاً بمدينة اثينا حيث كان اقام مركز قيادته بعد ان طرده السوريون عام 1987 حين طردوا ابو نضال. وكان هاغوبيان في طريقه الى المطار للسفر الى بلغراد حيث كان من المفترض ان يقابل افرادا من منظمة ابو نضال. وأشيع في الاوساط الارهابية السرية ان ابو نضال، الراغب في ان يظهر للفرنسيين كم هو مفيد لهم، خان هاغوب وأوقع به لديهم. وقيل بأنه اوصلهم الى فئة مناهضة داخل "آسالا" فشجعوها على انهاء هاغوبيان.
وكانت "آسالا" في ذلك الوقت بدأت بالانحدار، بعد ان اصيبت بعدد من الضربات، مثل فقدانها تسهيلات التدريب في جنوب لبنان، والانشقاقات التي حدثت داخلها بسبب موجة الاشمئزاز التي خلقتها مذبحة مطار اورلي، واعتقال عدد من افراد المنظمة في فرنسا، والتخاصم مع جماعات ارمنية اخرى مثل "مغاوير الاقتصاص لمذبحة الارمن"، وهي على الارجح مجموعة سرية منشقة عن "الاتحاد الثوري الارمني"، والطرد من سورية، وموت هاغوبيان، ثم اخيراً تحوّل الانتباه الارمني الى الصراع على ناغورني قره باخ الاقليم الارمني المحاصر في اذربيجان.
وفي اواخر الثمانينات تصارع كل من ابو نضال ورجال حركة فتح على ما تبقى من "آسالا" للاستيلاء على ما يمكن انقاذه منها. فأرملة هاغوبيان لا تزال تعيش في اليونان ويقال بأنها هي وحدها تعرف مكان وجود امواله.

علاقات مع اوروبا الشرقية

انّ الاتهام الذي يوجه غالباً الى اوروبا الشرقية الشيوعية بأنها ساعدت ابو نضال وفئات فلسطينية اخرى للقيام بهجمات على الغرب، هو اتهام يتّسم بالمبالغة. فالدلائل الملتقطة من مصادر المخابرات الفلسطينية والغربية توحي بعلاقة اكثر ازدواجية، رغم ان ابو نضال جعل من بولونيا مكان اقامة له على مدى سنوات في اوائل الثمانينات وكان يعلن عن اعجابه الكبير برئيس المانيا الشرقية ايريك هونيكر. وغالباً ما كان يقصد هنغاريا لقضاء اجازاته. ويبدو انه كانت لديه ثلاثة اسباب رئيسية لتنمية علاقاته مع الاوروبيين الشرقيين:
السبب الأول: حاجته الى امكنة آمنة له وللكبار من رجاله، وكان يحرص على عقد اتفاقات امنية مع ادارة المخابرات في اوروبا الشرقية. وكان يستعمل حجته المألوفة بأن العلاقة معه تحصّن الدولة من عملياته، وهذا نوع من الابتزاز استعمله ايضا مع دول اوروبية غربية اخرى.
السبب الثاني: ان الاتجار بالاسلحة الاوروبية الشرقية كان يوفّر له دخلاً مهما.
السبب الثالث: كان يريد ان يخرب العلاقات الوثيقة التي اقامتها منظمة التحرير الفلسطينية مع اكثر دول اوروبا الشرقية.
والواقع هو ان عدداً من الدول الاوروبية الشرقية عقدت اتفاقيات مع ابو نضال بهدف تحييده، غير انه ليس ثمة ما يدل على ان هذه الدول تعاونت معه في عمليات ارهابية مشتركة. وكان لديها، مثل نظيراتها في الغرب، مصالح لتدافع عنها، وكان هناك لجنة من التشيكيين والهنغاريين والألمان الشرقيين تجتمع شهرياً لتجميع وتبادل المعلومات عن الارهاب، كما ان لجنة اوسع نطاقاً تضم ممثلين من جميع اعضاء حلف وارسو كانت تجتمع من آن الى آخر لمراجعة الموقف الامني في ارجاء دول الكتلة الشرقية. وكان ابو نضال بالنسبة الى ضباط الامن الشرقيين، كما بالنسبة الى نظرائهم الغربيين، عبارة عن ارهابي ينبغي احتواؤه.
ولم يكن لدى ابو نضال اي مضمون عقائدي في علاقاته مع اوروبا الشرقية، كما لم يكن هناك اي تماسك في موقفه السياسي. كان يحب ان يصور نفسه فلسطينياً وطنياً تأثر بنظريات ماركس، غير انه كان يمقت الاتحاد السوفياتي ويدأب على مهاجمته في منشوراته. كما اعلن عن نفسه بأنه "ماوي" وعبّر عن اعجابه بالتجربة الصينية، الا انه لم يعد مرة اخرى الى الصين بعد زيارته القصيرة الاولى عام 1972 عندما كان لا يزال في فتح ولم يقم بتطوير اي نوع من العلاقة مع الصينيين. وكان يقول في بعض الاحيان ان "الألبان هم الماركسيون الحقيقيون والوحيدون الذين بقوا في هذا العالم"، الا انه لم يكن له معهم اية علاقة.
كان ينزع الى اصطناع اللون السياسي لأية جماعة يصادف ان يكون معها. فمع الماركسيين كان واحدا منهم، ومع القوميين العرب كان يدّعي انه قومي عربي، ومع المسلمين الاصوليين كان يتظاهر بأنه مسلم متزّمت، بل انه عمد في جنوب لبنان الى تغيير الأسماء الحركية لأفراده كي تغدوا ذات رنين جذّاب للسكان الشيعة. وعندما يكون في ليبيا فانه يعمل على ان يقحم في بياناته اسم عمر المختار بطل النضال الليبي ضد الايطاليين في العشرينات. ولكن في اوروبا الشرقية وجد ان افضل وسيلة لكسب الاصدقاء ليست بأن يدّعي الماركسية بل بتوزيع الهدايا، مثل ساعة ثمينة هنا، او هدية لزوجة احدهم هناك، او مبالغ نقدية بالدولار. وتبين له ان الرشوة في بولونيا تسهّل له الوصول الى مراكز السلطة.
ان اقدم صلات ابو نضال مع اوروبا الشرقية كانت مع يوغوسلافيا التي كان يقصدها الفلسطينيون بأعداد كبيرة للدراسة منذ الستينات. وعندما انشق ابو نضال عن فتح عام 1974، استطاع ان ينشل منها بعض طلابها في يوغوسلافيا ويستخدههم للبدء في عملية تجنيد جدية، ما ادى الى نشوب صدامات عنيفة بين مؤيديه ومؤيدي فتح. وفي نيسان ابريل 1980 القى اتباعه في بلغراد قنبلة على سيارة كان من المعتقد ان ابو اياد يمتطيها. ولما كانت المخابرات اليوغوسلافية لا ترغب بمزيد من مثل هذا الصراع قررت ان تفتح قناة اتصال مع ابو نضال.
لقد اعتبر اليوغوسلافيون ابو نضال ارهابياً ولم يكن رأيهم فيه حسناً. غير انهم غضوا الطرف عن نشاطاته على امل ان يقنعوه بألا يقيم علاقات مع الحركات الانفصالية داخل يوغوسلافيا وبألا يقود نزاعه الدموي مع فتح على اراضيهم. وهنا عمد بالطبع الى استغلال هذا التسامح بكل ما يستطيع. فاعتباراً من 1980 ابقى في بلغراد ممثلا سريا له كان اول الامر "الدكتور كمال"، وجاء بعده اياد محمد وهو زوج ابنة احدى شقيقاته، ثم علي عفيفي وأتى بعده آخرون. وكانت نتيجة ذلك ان اصبحت يوغوسلافيا، بين 1980 و1985، المركز التنظيمي لعمليات ابو نضال الاوروبية. كانت الاسلحة تخزن فيها، وكانت مجموعات عناصره الآتية من لبنان او من ليبيا تستخدم يوغوسلافيا نقطة تجمّع قبل الانطلاق نحو الاماكن الاخرى التي تقصدها، كما كانت الاسلحة تنقل منها الى باقي ارجاء اوروبا. وكان الشعور داخل منظمة ابو نضال هو ان يوغوسلافيا تعتبر "شبه مأمونة" باعتبار انه لو وقع اعضاء المنظمة في مشاكل كان بامكانهم ان يتوقعوا اجراء صفقة خفية مع اليوغوسلافيين لاخراج هؤلاء الأعضاء من ورطتهم.

السوفيات عاملوه بحذر

اما علاقة ابو نضال مع المانيا الشرقية فبدأت بمحض المصادفة حين شوهد عدنان فارس، وهو احد اتباعه الذي كان يعمل في لجنة العلاقات السياسية، في مطار برلين عام 1984 وأوقف للاستجواب. فما كان منه الا ان اقترح بجرأة وقحة على مستجوبيه شكلاً من اشكال التعاون، وأبلغ رؤساءه بذلك الاقتراح لدى عودته الى سورية. وعلى الأثر قام اعضاء ادارة المخابرات بالمنظمة بزيارة المانيا الشرقية وبدأت منذ ذلك الحين العلاقة بين الطرفين.
وثمة اربعة اتصالات رئيسية على الاقل جرت بينهما في النصف الثاني من الثمانينات:
< في عام 1985، قام ابو نضال نفسه بزيارة برلين وأجرى محادثة طويلة مع إريك مييلكه، الرئيس المحنك لادارة امن الدولة بألمانيا الشرقية ستاسي الطاغية القوة.
< وبعد وقت غير طويل جاء وفد من المنظمة مؤلف من 26 عضواً برئاسة عصام مرقة الذي ما لبث ان اصبح نائباً لأبو نضال للالتحاق بدورة تدريب لمدة ثلاثة اشهر في المانيا الشرقية بدعوة من ادارة "ستاسي".
< وفي اواخر 1985، قام بزيارة المانيا الشرقية وفد سياسي آخر يرأسه فؤاد الصفاريني هذه المرة وهو من ادارة المنظمة الذي هرب الى الاردن فيما بعد.
< وفي اوائل 1986، التحق وفد عسكري مؤلف من 20 شخصاً برئاسة عضو المنظمة حامل الاسم الحركي "جميل" بدورة تدريب على الاسلحة والمتفجرات في معسكر التدريب التابع لادارة "ستاسي" والقائم على مساحة 48 الف كيلومتر مربع في منطقة موسو جنوب برلين. وذكر احد الذين حضروا الدورة ان ابو نضال زارهم حينذاك وخطب في مضيفيهم وتحدث بعبارات نفاق تثير الاشمئزاز عن الالمان الشرقيين ووصفهم بأنهم "اشجع الاشتراكيين في العالم".
ومهما يكن من امر فان ادارة "ستاسي" لم تساعد ابو نضال في اي من عملياته الخارجية، كما أن المانيا الشرقية لم تعترف علناً بروابطها مع ابو نضال. والواقع انها جعلته يتعهد بعدم تخزين الاسلحة لديها، وبألا ينقلها عبر اراضيها، وبألا يقوم بأية عمليات في برلين الغربية. غير انها سمحت له بان يقيم في برلين الشرقية مؤسسته التجارية "زيبادو" التي كانت نوعاً من المشاريع المشتركة. ولكن عندما انشق عنه مديرها ضرار عبدالفتاح السلواني تسربت اخبار نشاطاتها الى الصحف فتمّ اغلاق الشركة.
ولأسفه الشديد لم تسمح المانيا الشرقية لأبو نضال بأن يعكر علاقاتها الجيدة مع منظمة التحرير الفلسطينية. وعندما كان ياسر عرفات محاصراً في طرابلس شمال لبنان من الذين تمردوا عليه في فتح والمدعومين من سورية، ارسل اليه اريك هونيكر مركباً مليئاً بالاسلحة والادوية والملابس والاغذية، وكانت كلها بالمجّان. ولم تقتصر منظمة التحرير في اتصالاتها المكثقة الخاصة بها مع ادارة "ستاسي" فقط، بل كانت ايضاً تتعامل مباشرة مع وزارة خارجية المانيا الشرقية من خلال سفاراتها في الخارج، وكان لها قنوات اتصال مع مؤسسات الحزب الشيوعي الذي قدّم لمنظمة التحرير حوالي 300 منحة طبية سنوياً و100 منحة دراسية. ولكن حين انهار النظام الشيوعي في المانيا الشرقية كان ذلك بمثابة ضربة في آن واحد لمنظمة التحرير ولعدوها اللدود ابو نضال.
اما في بولونيا فكان لأبو نضال، كما سبق وأشرنا، مكان اقامة، وأعطيت لطلابه عشرات من المنح الدراسية، غير ان علاقاته مع البولونيين كانت متأرجحة. كان يدّعي ان له اتصالات عالية المستوى معهم غير ان ذلك كان محض اختلاق. فاتصالاته الحقيقية الوحيدة كانت مع ادارة المخابرات والأمن. ولم يرغب القادة السياسيون البولونيون في الاجتماع معه، حتى ان مسؤولي الامن لم يكونوا يعلمون، في اكثر الاوقات، انه موجود في بولونيا، اذ كان معتاداً على اخفاء هويته الحقيقية ويسافر تحت اسم مستعار. ومثل الاوروبيين الشرقيين الآخرين، تعامل البولونيون معه ومنحوه ملجأ آمنا بهدف ان يكسبوا منه قطعاً نادراً لقاء تصدير اسلحتهم ومن اجل ان يحولوا دون قيامه بعمليات ضدهم او منطلقة من اراضيهم.
وقد اهتم الهنغاريون باقامة علاقة مع ابو نضال منذ ان كشف احد الارهابيين الذين هاجموا مطار فيينا في كانون الاول ديسمبر 1985 انه طار اولاً الى بودابست ومن ثم اقلته السيارة الى فيينا.
ولكي يتفادى الهنغاريون متاعب لاحقة، كانوا على استعداد ليعقدوا اتفاقاً امنياً مع ابو نضال، ففاوض على هذا الاتفاق عاطف ابو بكر الذي كان، قبل انشقاقه عن منظمة التحرير والتحاقه بأبو نضال، سفيراً للمنظمة في بودابست بين 1983 و1984. ومثلما فعل الآخرون، اشترى الهنغاريون الحصانة من الاعتداءات بالسماح لدزينة من طلاب ابو نضال بأن يتابعوا دورات دراسية لديهم، كما غضوا نظرهم عن تحركات رجاله في بلادهم وهم يدخلون اليها او يخرجون منها. وحلت بودابست محل بلغراد وأصبحت مركزاً رئيسياً لعمليات ابو نضال الاوروبية. اما التشيكوسلوفاكيون فكانوا يعتبرون ابو نضال ارهابياً ولم يقيموا علاقات معه، على رغم انهم كانوا على صلة جيدة مع عاطف ابو بكر الذي كان سفيرا لمنظمة التحرير الفلسطينية في براغ.
وينطبق النمط ذاته على بلغاريا التي زارها ابو نضال مرات عديدة وكان يفضل استخدامها مكاناً للاجتماعات. وبهدف تحييده سمح البلغاريون له بتواجد طلابي صغير، وباعوه بعض الاسلحة، وأتاحوا لرجاله ان يستخدموا صوفيا نقطة للتجمع، وأعطوه فيللا قرب فندق فيتوشا حيث كان يقضي جانباً من فترة الصيف. غير انهم لم يكونوا سعداء حين اكتشفوا انه كان يهرّب عبر بلدهم اسلحة من تركيا الى اهداف اوروبية اخرى. وقد احتجزت بعض الشحنات واودع بعض رجاله السجن.
ومن بين جميع دول اوروبا الشرقية، كانت رومانيا الاكثر عداوة لأبو نضال، ولا سيما منذ اغتيال الديبلوماسي الاردني عزمي المفتي وجرح آخر في بوخارست في شهر كانون الاول ديسمبر 1984. وقد حاول ابو نضال ان يبتز الرومانيين بكل وسيلة ممكنة، بما في ذلك القاء القنابل على سفارتهم في بيروت، غير انهم رفضوا الانصياع وألقوا القبض على افراد منظمته كلما تمكنوا من ذلك.
لم يقم ابو نضال بزيارة الاتحاد السوفياتي بأية صفة رسمية، كما لم يجتمع بأحد من القادة السوفيات على رغم انه زيادة في الحيطة الامنية، او حسبما كان يظن، كان يختار ان يمر في موسكو وهو في طريقه مثلاً من جنيف الى دمشق.
وكان اعضاء منظمته يقومون بزيارة السفارتين السوفياتيتين في بغداد ودمشق، الا ان هذه الاتصالات توقفت على اثر انتقال المنظمة الى ليبيا. وكان الديبلوماسيون السوفيات من جانبهم، وقد لدغتهم الاتهامات الغربية بأن موسكو تدعم الارهابيين الدوليين، بالغي الحذر في اتصالاتهم مع ابو نضال، وكانوا يجهدون بالنسبة للقضايا الفلسطينية ليوضحوا بأنهم يدعمون خط عرفات المعتدل ويعارضون الارهاب.

بين العراق وايران

ومنذ ابعاده عن العراق عام 1983، حاول ابو نضال ان يبني علاقة مع ايران مستخدماً في سبيل ذلك كل ما امكن من خدع. فقد عرض على المخابرات الايرانية تزويدها بمعلومات عن التنظيمات العسكرية العراقية والجيش العراقي، وحاول اغراءها بصفقات اسلحة تبلغ قيمتها ملايين الدولارات، وقام رجاله في دمشق بزيارات منتظمة الى السفارة الايرانية، التي كان يشرف عليها حينذاك علي اكبر محتشمي الرجل المتشدد الذي اصبح فيما بعد وزيراً للداخلية الايرانية على امل اقامة علاقة مع الحرس الثوري الايراني، وكان ابو نضال شديد الاشادة بالجهد الحربي الايراني، وكان يشجب "نظام صدام حسين الفاشي"، وكلما كتبت الصحافة عن شراء ايران اسلحة بصورة سرية من اسرائيل كانت مجلة ابو نضال تهرع لرد التهمة كما لو انه كان هو المتهم.
غير ان ذلك كله لم يجدِ شيئاً. فالايرانيون لم يكونوا ليخدعوا بالطُعم، ولم تتم زيارة طهران التي ظل ابو نضال يأمل في القيام بها. ولا شك ان الايرانيين لم يكونوا يثقون به. وعلى رغم جهوده في تملقهم فانهم كانوا يعتقدون بأنه كان لا يزال مرتبطاً بشكل ما بالمخابرات العراقية التي كانت شدت ازره في بادئ الامر. ولم يكن الايرانيون بحاجة الى مساعدته للقيام بعمليات خارجية، ولم يكونوا يرغبون في ان يثقلوا على انفسهم بشخص بمثل صيته، وكانوا يفضلون التعامل مع جماعات تقاسمهم عقيدتهم الاسلامية التي كان واضحاً انه لا يتحلى بها.
ومهما يكن من امر، فان رجال ابو نضال اجروا على الارض في جنوب لبنان اتصالات محدودة مع حزب الله، وادعى ابو نضال نفسه انه على صلة جيدة مع الشيخ محمد حسين فضل الله المرشد الروحي لحزب الله. ولكن خلافاً للتقارير الصحافية فان ذلك لم يؤد الى قيام اي تعاون عملياتي ذي بال. وليس هناك ما يدل على ان ابو نضال لعب اي دور في عمليات حزب الله المتعددة ضد "المنطقة الامنية" التي اعلنتها اسرائيل بنفسها لنفسها في جنوب لبنان. كما ان حزب الله لم يلعب اي دور في هجوم ابو نضال على السفينة السياحية اليونانية "سيتي اوف بوروس"، حسبما أشيع، فلأن هذا الهجوم وقع في 11 تموز يوليو 1989 وبعد بضعة ايام من قيام السفينة الحربية "فانسين" باسقاط طائرة مدنية ايرانية بمنطقة الخليج وقتل ركابها الـپ290، هرع كثيرون الى الاستنتاج بأن الهجوم على السفينة كان عملا ثأرياً تشارك فيه حزب الله مع ابو نضال، غير ان ذلك كان تضليلاً آخر. فايران واصدقاؤها لم يكن لهم يد في مسألة "سيتي اوف بوروس"، والواقع ان طهران كانت من اولى العواصم التي دانت العملية.
وفي الوقت الذي غزا فيه العراق الكويت في 2 اب اغسطس عام 1990، تخلى ابو نضال عن التودد لايران وكان يسعى للافادة من الازمة بتملّق المتحالفين ضد العراق. غير ان عاصفة الصحراء جاءت وذهبت من دون ان يدخل في النزاع او يجلب الانتباه نحوه، فيما عدا اغتياله لأبو اياد في تونس عشية تلك المعركة.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

mi-17

مشرف
مشرف



كتاب " ابو نضال : بندقيه للايجار " بقلم الكاتب باتريك سيل  Unbena20كتاب " ابو نضال : بندقيه للايجار " بقلم الكاتب باتريك سيل  Unbena11كتاب " ابو نضال : بندقيه للايجار " بقلم الكاتب باتريك سيل  Unbena30
كتاب " ابو نضال : بندقيه للايجار " بقلم الكاتب باتريك سيل  Unbena23




كتاب " ابو نضال : بندقيه للايجار " بقلم الكاتب باتريك سيل  Empty
مُساهمةموضوع: رد: كتاب " ابو نضال : بندقيه للايجار " بقلم الكاتب باتريك سيل    كتاب " ابو نضال : بندقيه للايجار " بقلم الكاتب باتريك سيل  Icon_minitimeالثلاثاء يونيو 21 2016, 23:22

الحلقه التاسعه 

في نيسان ابريل 1987 التقى ابو اياد وأبو نضال، اللذان حاول كلّ منهما قتل الآخر خلال عقد من الزمن. التقيا وجهاً لوجه في الجزائر. كان الاثنان عريقين في عالم المخابرات، فالأول كان رئيساً لمخابرات منظمة التحرير الفلسطينية، والثاني كان يدير جهاز خدمات ذا تمويل جيد وأرصدة سرية في بلدان عديدة، وشبكة دولية من القتلة الضاربين. وكان الاثنان اشتبكا في العديد من المعارك، غير ان احداً منهما لم يحقّق انتصاراً فاصلاً. كانا ذات يوم صديقين، إلا ان الحب الذي تحوّل الى كراهية كان نموذجاً للمشاجرات المدمرة التي ابتليت بها حركة المقاومة الفلسطينية منذ البداية.
وكانت الحماية التي تمتع بها ابو نضال في اوقات مختلفة من دول عربية شتى جعلت وصول ابو اياد اليه يكاد يكون مستحيلاً. فهذه الأقطار التي اسبغت عليه الحماية كان لمنظمة التحرير فيها مصالح راسخة، ولذلك لم تكن لتستطيع ان تضرب فيها وتهرب ببساطة دون ان تغضب السلطات المحلية. وأبو اياد، من جهته، لم يكن هدفاً سهلاً هو الآخر، اذ كانت له شعبية داخل الحركة الفلسطينية، وكان يوحي بالولاء، وكان هو ايضاً محاطاً بحماية جيدة. ولذلك كان من الصعب على ابو نضال ان يعثر على قاتل يجهز عليه. ولهذا كله سعى كل واحد من الرجلين ان يحيّد الآخر بواسطة ديبلوماسية معقدة لدى دول عربية واوروبية، وعن طريق الاختراق والتلاعب، وهما الأسلوبان التقليديان لأجهزة المخابرات.
كان ارهاب ابو نضال يشكل اكبر معضلة عند ابو اياد. فعملياته كانت مؤذية للقضية الفلسطينية الى درجة ان ابو اياد اضطر ان يكرس وقتاً وجهداً كبيرين في سبيل ايقافها. ولقد اخبرني انه منذ 1980 ومن بين حوالي مئتي عملية لابو نضال تمكنت منظمة التحرير من إفشال مئة وعشرين، "اشعر بأننا جنّبنا العالم كثيراً من الرعب. وأنا لا احب ان اذكر هذه الاشياء لأننا لا نريد ان نظهر بمظهر من يؤدي دور الشرطة في أوروبا".
ومهما يكن من امر فان احداث لبنان خلال 1985 - 1986 فرضت هدنة واقعية بين الخصمين. وحسبما رأينا من قبل، فقد وقف رجال ابو نضال، اثناء حرب المخيمات الى جانب فتح ضد ميليشيات حركة "امل" التي تدعمها سورية. كانت تلك تجربة شافية للجراح. فحالما وحّد المقاتلون الفلسطينيون صفوفهم على الارض لم يعد ثمة معنى لأن يستمر زعماؤهم في محاولة قتل بعضهم بعضاً.
كان هذا هو الذي جعل من لقاء الجزائر، بين ابو اياد وأبو نضال، امراً ممكناً. اما المناسبة فكانت الدورة الثامنة عشرة للمجلس الوطني الفلسطيني التي انعقدت بين 20 و26 نيسان ابريل 1987 في قصر الصنوبر الذي يبعد حوالي خمسة عشر كيلومتراً غرب الجزائر العاصمة. وقد اطلق على هذه الدورة اسم "دورة الوحدة"، فالمناخ السائد بين الفئات الفلسطينية كان يجنح للمصالحة. وكان عرفات يومها اقلّ تعرضاً للضغط، ولذلك كان يميل اكثر الى المرونة. فجبهة الانقاذ الوطني الفلسطيني، التي اقامها معارضوه بدعمٍ من سورية، كانت الى أفول. كما ان ابو نضال نفسه كان اختلف مع السوريين، وكان اصدقاؤه الجدد الليبيون، والجزائريون الى حدٍ ما، يعملون بنشاط خلف الكواليس من اجل ترقيع المشاجرات الفلسطينية الداخلية. ومن الواضح ان الليبيين والجزائريين لم يكونوا يشتبهون باحتمال وجود ارتباطات له مع الموساد.
ولكن هل كان بوسع هذا الانشقاق التاريخي الذي وقع داخل فتح ان يلتئم؟ وهل كان باستطاعة ابو نضال وفتح ان يضعا حداً للحرب التي استعرت بينهما منذ عام 1974؟ لقد عمل الوسطاء بدأب وجدية. غير ان الحديث عن الهدنة كان يخفي وراءه مخاوف عميقة لدى كل طرف من النوايا الخفية لدى الطرف الآخر. فأبو نضال كان يشك بأن ابو اياد كان يخطّط لشق منظمته، بينما كان ابو اياد مقتنعاً بأن ابو نضال كان يتآمر، بتشجيع من اسرائيل والقذافي، على اختراق منظمة التحرير الفلسطينية والتغلغل فيها لدمغها بوصمة الارهاب من اجل تدميرها.
وفي طرابلس، قبل بدء دورة المجلس الوطني الفلسطيني، كان من المقرر ان يقابل عرفات وأبو اياد ابو نضال معاً. ولكن وصلت في اللحظة الاخيرة رسالة تقول بأن ابو نضال لا يوافق على الاجتماع مع ابو اياد. وقيل بأنه كان غاضباً من مقال في مجلة اسبوعية فرنسية هي "لانوفيل اوبسرفاتور" نقلت على لسان ابو اياد قوله بأن والدة ابو نضال كانت خادمة. وهكذا ذهب عرفات الى الاجتماع وحده. وعاد في الثانية بعد الظهر الى الدارة التي كان يسكنها مع ابو اياد.
وقال لي ابو اياد فيما بعد: "دقّ عرفات بابي، وبدا منزعجاً، وقال لي: "ليتني لم اذهب". ويبدو ان ابو نضال طالب، بتعيين ممثلين عنه في اثنين من الهيئات الأساسية لمنظمة التحرير، وهما اللجنة التنفيذية والمجلس الوطني، وعندما تردد عرفات واعترض، راح ابو نضال يستعمل لغة فظة خشنة، ويرفع صوته بطريقة وجدها عرفات غير مقبولة".
وقد تطلب الامر وساطة سريعة وبارعة ومتقنة على يد رئيس المخابرات الجزائرية الاكحل آيت، والديبلوماسي الجزائري الكبير الاخضر الابراهيمي، حتى تم ترتيب اجتماع بين ابو اياد وابو نضال في دارة قريبة من مقر قصر الصنوبر. وبكياسة لبقة، اقترح الجزائريون ان لا يصحب الخصمان الا حراس جزائريين، كي يتم تجنب وقوع صدام بين رجالهما.
ويلتقط ابو اياد طرف الرواية فيقول:
"دخلت ورأيته هناك، لأول مرة منذ اربعة عشر عاماً. كان يبدو شاحباً ومريضاً، وقد اطلق شاربيه. وعلى رغم اننا كنا نشعر بالبرود والتوتر، فقد تصافحنا وتعانقنا. كنا وحدنا. فبدأ يتصنع التواضع والوداعة ويتصرف بطريقة مهذبة اكثر من اللازم. ولم نستطع ان نقرر كيف نبدأ الحديث في الموضوعات المؤلمة التي جئنا لمناقشتها".

"انتم علمتموني القتل"

وقال ابو اياد بأنه اراد ان يسأل ابو نضال عن اشياء كثيرة، عن هجوم كل منهما على الآخر، وعن سبب شنه لبعض العمليات المعينة، وعن آماله للمستقبل.. وعن سبب سلوكه السيء مع عرفات.
فقال ابو نضال في ردّه بأنه اهين من قبل حارس ضخم جاء به عرفات معه، وبقي في الغرفة اثناء الاجتماع كله. وقد المح الى امتعاضه وعدم ارتياحه لوجود ذلك الرجل، ولكن عرفات لم يصرفه. غير ان شكوى ابو نضال الأساسية كانت من رفض عرفات انضمامه الى منظمة التحرير الفلسطينية.
وتجاذبا الجدال فترة طويلة استعرضا فيها تاريخ محاولات الاغتيال المتبادلة بينهما، وصاح ابو نضال: "انتم علمتموني كيف اقتل! انتم قتلتم صديقي احمد عبدالغفور. وأنا اتبع مثالكم وأقتدي بكم" وسرد له ابو اياد قائمة بممثلي منظمة التحرير الفلسطينية الذين اغتالهم عمداً: سعيد حمامي، وياسين، وقلق، وخضر، والسرطاوي. ولم يعترف ابو نضال سوى بقتل حمامي، بسبب اتصالاته السرية بالاسرائيليين، معلناً انه كان يستحق القتل ليكون امثولة للآخرين. فسأله ابو اياد: "وماذا عن الآخرين؟" وعندما ألح عليه بالاتّهام بأن اسرائيل اخترقت منظمته وراحت تتلاعب بها اعترف ابو نضال بذلك كما هو مروي في فصل سابق وقال نعم. ان منظمته يوجد فيها عملاء لاسرائيل، وأنهم يغذونه بالمعلومات احياناً، غير انه يحاول تصفيتهم واحداً واحداً.
وقال لي ابو اياد أن حديثه كان مليئاً بالتبجحات الجامحة الفارغة. فقد زعم انه قبض على 400 عميل للمخابرات الاردنية، وأنه سيقتلهم جميعاً في يوم واحد. وقال للجزائريين بأنه سيقتل خمسة آلاف اوروبي اذا اصيبت بأذى وفود المجلس الوطني الفلسطيني المجتمعة في الجزائر وأن لديه رجالاً ينتظرون اوامره في اكثر من ثلاثين بلداً، بما فيهم عملاء له في البيت الأبيض وأنه بحاجة الى ثروته الواسعة التي قدّرها بمئات الملايين من الدولارات لشراء مثل هؤلاء العملاء في الأماكن العليا. ثم تحدث بتعاظم، وعرض مشاطرته هذه الارصدة لو اختارت فتح ان تتعاون معه.
غير ان التبجح الاهوج سرعان ما تلاشى ليحل محله التودد العاطفي فبدأ يفضي بدخيلة نفسه قائلاً لأبو اياد: "انت الوحيد الذي يفهمني بصورة حقيقية" ثم حاول ان يعطي كلماته حرقة مؤثرة، ففك ازرار قميصه ليري ابو اياد جروح عملية القلب التي اجريت له في السويد، وقال: "انا رجل مريض، وتمر علي شهور دون ان استطيع مغادرة البيت. وقد اموت في غضون هذا العام. ولكن، قبل ان اموت، اريد ان يتمّ الاعتراف بي. اريد ان اقول للعالم انني تركت الحياة السرية لأدخل عالم السياسة". وقال ايضاً بأنه يعتبر منظمته تأتي بعد فتح فقط في الحركة الفلسطينية. ولذلك ينبغي ان تكون ممثلة في جميع الهيئات الفلسطينية كالفصائل الاخرى. ثم توسل: "ان عليكم انتم ان تساعدوني لتحقيق ذلك".

مشروع اتفاق

وفكّر ابو اياد بأن الخطة الاستراتيجية قد وضحت للعيان اخيراً! فهاهوذا ابو نضال يعترف بنيته الحقيقية. انه يريد الدخول الى المؤسسات الكائنة في قلب منظمة التحرير الفلسطينية كي يشوّه سمعتها كلّها ويضمن انها لا تنجو من وصمة الارهاب.
وهكذا رد عليه ابو اياد: "ولكنك عشت طول حياتك تكره منظمة التحرير. وأنت تعرف اننا لا نستطيع ان نعطيك تمثيلاً في داخلها تحت اسم "فتح: المجلس الثوري". إننا لا نبيع انواع البطيخ! فلا نستطيع ان نعرض في الواجهة دزينة من حركات فتح.. فتح عرفات، وفتحك انت، وفتح ابي موسى وهكذا… ان ذلك هو العبث بعينه!".
فاندلع غضب ابو نضال. وعندما استطاع ان يهدأ سأل عما اذا كان سيحصل على اي تنازل على الاطلاق. فاقترح ابو اياد هدنة من ستة اشهر يتم خلالها وضع نوايا وسلوك ابو نضال على محكّ الاختبار.
"سألني ابو نضال: "ما نوع الاتفاق الذي تريد؟ خذ! اكتبه". لقد كان يحجم عن الكتابة بنفسه لأنه يدرك ان خطّ يده طفوليّ، فأخذت قلماً وورقة وكتبت ما يلي:
1 - وقف كل حروب الدعاية بيننا.
2 - التعاون في كل القضايا التي لها علاقة بالأراضي المحتلة.
3 - حظر كامل على كل العمليات الارهابية ضد العرب والغربيين والاسرائيليين" فقال ابو نضال بأن عليه ان يستشير اعضاء منظمته قبل ان يوافق. ولكنهما عندما التقيا ثانية، وضع على وجهه قناعاً من الغضب الشديد، وتساءل بأسلوب استفزازي: "أي نوع من الاتفاقات هذا؟ تريدني ان اوقف القتل وشنّ العمليات. وتريدني ان اغلق فمي ولا اتدخل في أي شيء، فاذا وافقت على هذا كله، فما الذي يبقى لي كي اقوم به؟" ثم استمر يجادل ابو اياد: "اسمع. انتم منظمة علنية، وأنا منظمة سرية. فلماذا لا نعمل معاً وبذلك يكمل بعضنا بعضاً؟".
فرد عليه ابو اياد: "حسناً، ولكن شريطة ان نمسك نحن بالزمام… وأن نعطي نحن الأوامر".
وبدا على ابو نضال وكأنه يدرس الاقتراح بجدية. فاقترح جلسة مناقشات اخيرة يتمكن كبار زملائه من مشاركتهما فيها. ولكنهم عندما اجتمعوا سوية، ادرك ابو اياد بسرعة انه كان يضيع وقته. وقد تبخر واختفى سلوك ابو نضال المتواضع، وكانت لهجته ساخرة وعدوانية فقال للمجتمعين: "دعوني احكي لكم قصة صغيرة عن ابو اياد. في يوم معركة الكرامة المعركة التي هاجمت فيها اسرائيل معسكراً لفتح في الاردن في آذار/مارس 1968 كان الناس يبحثون عن ابو اياد بجنون، قلقين من احتمال مقتله. فقلت لهم: "لا تقلقوا. انه بخير حقاً! والواقع انه في بيتي ، يرتجف من الخوف!".
ولم يكد ابو اياد يصدق اذنيه، فصرخ: "كاذب! ايها الكاذب بلا خجل! لقد كنت انت الذي اختفيت فلم يعثر عليك احد" ولم يكن ذلك الاجتماع ودياً. وكان آخر مرة شاهد فيها كل منهما الآخر.

اغتيال زهير محسن

وبدلاً من مصالحة ابو اياد وابو نضال، فقد اثبتت مفاوضات الجزائر انها ليست اكثر من جولة اخرى في مبارزتهما. وبدأ ابو اياد يسعى لاختراق منظمة ابو نضال ولتشجيع حالات الهرب منها. كان يعلم ان تأرجح الوضع الداخلي لدى ابو نضال سيجعله قلقاً ويرغمه على توجيه طاقاته لحماية نفسه بعيداً عن العمليات الاجنبية.
واعتقد بعض الفلسطينيين في وقت لاحق ان ابو اياد قام بزرع عاطف ابو بكر، العضو القديم البارع المخلص لفتح، لدى ابو نضال منذ 1985 ليكون بمثابة "عميل" محّرض لإثارة انفجار داخلي بين صفوفه. وقد اعتقد ابو نضال، بالتأكيد، بمثل ذلك عندما انشق عنه ابو بكر. ولكن بعدما تحدثت مطولا مع ابو اياد وعاطف ابو بكر تشككت في امر هذه النظرية. فأبو بكر كان يبدو رجل مبادىء وثورياً بشكل لا يمكن معه ان يضع نفسه في خدمة مثل هذه العملية.
في الاشهر الاخير من عام 1987 شن ابو نضال عدداً قليلاً من العمليات الارهابية. ففي هذه الفترة قام بتدمير قواته في لبنان، ولعل احد دوافع اعمال القتل هذه التي ارتكبها بحق العديد من اقرانه كان خوفه من ان يكون ابو اياد يقوم بتأليب رفاقه ضده. وصلت التصفيات الداخلية في فترة 1987 و1988 الى اوجها الدامي في تشرين الاول اكتوبر 1988 باغتيال ابو نزار، نائبه، وعندئذ كان ابو نضال قد استأنف مسيرته الارهابية بسلسلة من الهجمات في قبرص والسودان واليونان والتي وصفناها آنفاً.
ولا بد من التوقف قليلاً عند تلك المرحلة.
ذات يوم في عام 1986، عندما كانت منظمة ابو نضال لا تزال في سورية طلبت مخابرات القوى الجوية من مسؤول الاتصال معها في المنظمة، عبدالكريم البنّا ابن اخ ابو نضال ان كان يعرف عضوا يدعى مجاهد البياري، لأنهم يرغبون في مقابلته. وعندما سمع ابو نضال بهذه الاستيضاحات بدا عليه القلق العميق وصرخ صاخباً بأن السوريين ربما كانوا يريدون تسليم البياري الى الكويتيين، بسبب نسف المقاهي، ورفض رفضاً قاطعاً ان يسمح بمقابلة البياري.
والواقع ان البياري كان في تموز يوليو 1979 في مدينة نيس على ساحل الرفييرا الفرنسية واحداً من فريق ابو نضال الضارب الذي قام بتحريض من العراق باغتيال زهير محسن رئيس منظمة الصاعقة، الفصيل الفلسطيني الذي اقامته ودعمته سورية. وعندما طلب السوريون مقابلة البياري، تبادر الى ذهن ابو نضال على الفور الشك في ان السوريين علموا بدوره، وأنهم كانوا مصممين على الانتقام. فطلب من البياري تفجير سيارة مفخخة وكان ذلك احد اختصاصاته في حزام اسرائيل الامني في جنوب لبنان. ولكن القنبلة انفجرت قبل موعدها في صيدا فقتلت البياري.
ثم بعث ابو نضال برسالة الى السوريين يسألهم عما اذا كانوا يحبون ان يقتل لهم زعيم جبهة التحرير العربية، الفصيل الفلسطيني التابع للعراق؟ وكما اوضح لي احد الأعضاء السابقين عند ابو نضال: "كان ابو نضال يقول للسوريين: انظروا، لقد قتلت زهير محسن بأمر من العراقيين، وأنا مستعد لقتل رجلهم بناء على اوامركم". وقد رفض السوريون هذه المقايضة.

التصفيات والمؤامرة

وفي الفترة بين 1987 و1988 قام ابو نضال بعمليات تصفيات كبرى في صفوف منظمته، في لبنان وليبيا، متهماً الذين امر بقتلهم بأنهم يتآمرون عليه او يعملون لحساب اطراف عربية وفلسطينية معادية له.
لقد ظلّ ابو نضال، وأبو نزار، وعبدالرحمن عيسى سنوات طويلة لا يفترقون ولا ينفصلون وقد قاموا ببناء المنظمة. ولكن، بحلول عام 1981، كان ابو نضال ارتحل الى بولونيا ثم امضى بضع سنوات بعد ذلك في اوروبا، بين وارسو وفيينا، بين زوريخ وبرلين، يتاجر بالاسلحة، ويؤسس شركات مالية، ويجمع الارصدة المتراكمة ويبتعد تماماً عن الشرق الاوسط. وحاول ان يدير المنظمة بالسيطرة من بعيد، فيرسل الى شركائه الواقعين تحت ضغط العمل الكثيف سيلاً اسبوعياً من المذكرات يوبخهم فيها، وينتقدهم ويحرض بعضهم على بعض. ولكن غيابه وأساليبه الدكتاتورية اثارت غضباً متزايداً. فبينما كان زملاؤه يتحملون العبء اليومي، كان يأمرهم بهذا وذاك ويتدخل في تفاصيل عملهم.
كانت تلك السنوات هي التي شهدت تطور المنظمة بسرعة وهي تعمل من قاعدتها السورية. فتوسعت الى ما يقارب من عشرة ا ضعاف حجمها السابق في لبنان. ولقد كان هذا التوسع مصدر "اعتزاز" للرجال الذين كانوا يديرون المنظمة فعلياً، بينما كان بالنسبة الى ابو نضال مصدر ذعر وقلق.
فمن وجهة نظره، كان المجندون الجدد كتلة من الرجال غير قابلة للهضم، رجال يخربون منظمته، وربما يشكلون تهديداً خطيراً لشخصه. ولكي يحكم بنفسه على هذه التطورات جاء ابو نضال الى سورية سراً لمدة اسبوع في تشرين الأول اكتوبر 1984، ثم لمدة اسبوعين في كانون الثاني يناير 1985، وعقد اثناء ذلك اجتماعات مطولة مع قيادته. ثم جاء في 22 تشرين الاول اكتوبر 1985 وأقام في سورية فترات متقطعة لمدة عام وخمسة اشهر حتى مغادرتها نهائياً في 28 آذار مارس 1987.
وفي هذه الفترة وصل النزاع الداخلي الى حد التأزم، فقام ابو نضال بتحركاته القمعية التي دحر بها زملاءه واستعاد السيطرة على منظمته.
وقد شملت خطواته تلك ما يلي:
< في عام 1985، احلال افراد من عائلته محل ابو نزار وعبدالرحمن عيسى كموقعين على الحسابات المصرفية للمنظمة في سويسرا وأماكن اخرى.
< في آب اغسطس 1986، ازاحة ابو نزار من منصبه كنائب للرئيس حيث استبدل به الشاب الموالي له حتى العبودية عصام مرقة بينما اعطي ابو نزار وظيفة اضعف بكثير هي رئاسة مديرية التنظيم.
< تدبير وهندسة طرد المنظمة من سورية في حزيران يونيو 1987، بشن هجمات ارهابية في روما، وفيينا، وكراتشي، واسطنبول من دون معرفة سورية او موافقتها.
< تمزيق المنظمة بين لبنان وليبيا من اجل السيطرة عليها اكثر.
< تخفيض رتبة عبدالرحمن عيسى عام 1987 من رئيس مديرية المخابرات الى كادر صغير، حيث استبدل به مصطفى عوض علاء في لبنان وعلي الفرا الدكتور كمال في ليبيا.
< ثم، بدءاً من تشرين الثاني نوفمبر 1987، وكذروة لتتويج هذه التحركات، اصدار اوامره بتدبير عملية تصفية ضد ضباط ورجال الجيش الشعبي التابع لمنظمته.
وكان زملاؤه بطيئين في فهم اهمية ومغزى التأثير المتراكم لهذه التحركات - باستثناء عدد قليل منهم - فسقطوا ضحية استراتيجيته المتفوقة.
هل كانت هناك اية صحة لاتهامات ابو نضال بأن زملاءه الذين كانوا مخلصين له يوماً يتآمرون عليه للاطاحة به في خريف عام 1987؟ ان ما هو اكيد هو انه من عام 1985 فصاعداً راح يلقى منهم مقاومة متزايدة. فالرجال الذين كانوا يديرون الامور اثناء غيابه الطويل في بولندا، والذين اسسوا المنظمة في سورية، وأدخلوها لبنان، ووسّعوها، بدأوا يغضبون من محاولاته عكس مسار التيار وإعادة المنظمة الى وجودها القديم كالقنفذ في ظلام العالم السفلي.
ولم يعجبهم ان يُرغموا على الخروج من سورية، ولا الانقسام او الانشطار بين ليبيا ولبنان، الامر الذي اضعف مركزهم. كما شعروا بأن الوقت حان لينأوا بأنفسهم عن الارهاب، وطالبوا بأن تكون لهم كلمة ومشاركة في صنع السياسة. اما ابو نضال فألقى بمسؤولية المشاكل التي كان يواجهها على عاتق الرجال الجدد الذين دخلوا قيادته العليا من فتح في عام 1985، وعلى رأسهم عاطف ابو بكر، الذي عمل ذات يوم سفيرا لمنظمة التحرير الفلسطينية، والذي اصبح المنظّر الفكري العقائدي للاتجاه "الوطني" الجديد. وعلى رغم ان ابا بكر كان نحيفا مهزولا في الجسم والوجه الذي يحمل تعبيرا صارماً متجهاً بنظره الى دخيلة نفسه، ويتحدث تارة باسلوب تعليمي وتارة بتصميم قاطع او ساخر، فقد كان من الناحية العقلية الفكرية فوق الآخرين. وكان خصما رهيبا، كما ادرك ابو نضال. فأمثاله من الرجال لم يكونوا مستعدين لأن يبصموا بالموافقة العمياء كالأختام المطاطية على اوامر ابو نضال. بل كانوا يريدون مناقشة حقيقية داخل المكتب السياسي واللجنة المركزية. وكانت لهم نظرة او رؤية لمستقبل المنظمة تختلف عن رؤيته اختلافاً كليا شاملا.
وهكذا بقي الدخان يتصاعد من الخلاف في داخل المنظمة من عام 1985 الى عام 1987 حول السلطة، والمال، والعمليات، والتوجه الفكري العقائدي، والعلاقات مع المنظمات الاخرى، وعملية صنع القرار. ولم يكن التحدي اكثر من شيء كامن، ولكنه ربما كان كافيا لجعل ابو نضال يخشى من ان يستخدم زملاؤه ضده ذات يوم القوات التي في امرتهم لازاحته، والسيطرة على المنظمة، ربما بمساعدة سورية.
فأبو نزار، وعبدالرحمن عيسى كانا، على رغم كل شيء، يعيشان ويعملان في سورية ويتمتعان بعلاقة حميمة مع اللواء محمد الخولي ومخابرات القوى الجوية. وبالنسبة الى شخص له طبيعة ابو نضال المصابة بهوس التشكك في الآخرين والتخوف منهم، كان ذلك سبباً كافياً لأن يبدأ هو بالضربة الاولى. وحسب العبارة الشائعة فقد كان ابو نضال مصمماً على ان "يتغدى بأعدائه قبل ان يتعشوا به".
كان رد فعله ان وضع في المناصب الهامة والحساسة رجالا يشاطرونه رؤيته في وجوب بقاء المنظمة كلها جهازا سريا خفيا، يعيش على قوانينه المتوحشة نفسها، ثم، وبمساعدتهم يتم ذبح الضباط والرجال القادرين وحدهم على اعطاء معارضيه العضلات التي يحتاجون اليها للوقوف ضده في تحد جدي.

نائب ابو نضال ينقلب

وأدت عمليات التصفية التي أمر بها ابو نضال في ليبيا ولبنان الى اخراج التوترات الداخلية الى العلن. وكان واضحاً ان ابو نضال قادر على الحكم بالموت على من شاء، وكان من القوة بحيث يضمن تنفيذ الحكم. وأراد عاطف ابو بكر، اعلى معارضيه صوتاً، ان يفضح التركيبة المروعة كلها. وشعر بأن من واجبه ان يتخذ موقفاً ويعلم الأعضاء جميعاً بما كان يجري. ذلك ان بقاءه صامتاً كان يعني مشاركته ابو نضال في جرائمه.
وفي أيار مايو وحزيران يونيو 1988 بدأ عاطف ابو بكر يوجه مذكرات الى اعضاء المكتب السياسي واللجنة المركزية لمنظمة ابو نضال يطالب فيها بتشكيل لجنة للتحقيق في عمليات القتل. كان ذلك تحدياً مكشوفاً لأبو نضال الذي كان ملزماً بقبوله. ولم يكتف ابو بكر بكتابة المذكرات، بل حاول ان يكسب ابو نزار الى صفه. ابو نزار، العضو المؤسس للمنظمة ونائب ابو نضال السابق الذي لا يزال من القوة الشعبية ما يكفي لتغيير اتجاه الحركة كله.
ورد ابو نضال على ذلك بنصب فخ فيه براعة الاستاذ، فعند مغادرة سورية كانت زوجة ابو نزار وأطفاله انتقلوا الى الجزائر، ولكنهم كانوا وحيدين هناك، ويفتقدون اصدقاءهم. فأبو نزار غالباً ما كان غائباً في مهمات في اماكن بعيدة. وناقشت العائلة اذا كانت ستنتقل الى قبرص، او حتى الى تشيكوسلوفاكيا. وببراءة متصنعة، اقترح ابو نضال على ابو نزار بهدوء ان عائلته ربما تكون افضل حالا لو انها رجعت الى دمشق، المدينة التي يحبونها والتي عاشوا فيها سنوات عديدة. فقبل ابو نزار الاقتراح بنية طيبة، واستطاع ان يحصل لعائلته على جوازات سفر ليبية، وفي نهاية آب اغسطس 1988 اعادهم الى سورية. وعندئذ اتهم ابو نضال ابو نزار بأنه عميل سوري، فعودة اسرته الى سورية بعد ان طردت منها المنظمة، تعني ان ابو نزار اتصل بالمخابرات السورية فوافقت على عودته.
وارتكب ابو نزار وعاطف ابو بكر غلطة تكتيكية اخرى، كانت قاتلة هذه المرة، فلم يكتفيا بعقد محادثات خاصة مغلقة بينهما - وهذا بحد ذاته خرق عصياني لقوانين وأنظمة المنظمة -، ولكن في خرق اخطر وأسوا للأمن، نظّم ابو بكر لقاء سرياً بين ابو نزار وأبو اياد في الجزائر في اوائل تشرين الاول اكتوبر 1988.
وفي تونس عام 1990 روى لي ابو اياد قصة هذا اللقاء مع ابو نزار. قال انه كان حديثاً طويلاً، عاصفا احيانا، شديد الصراحة بصورة خارقة احيانا اخرى، بدأ في التاسعة مساء ذات يوم، واستمر حتى الثالثة من فجر اليوم التالي. وفي الساعتين الاوليين، كانت لهجة ابو نزار تشير الى انه بوق رسمي لأبو نضال. وبينما كان ابو اياد يستمع اليه، كان يفكر في ان هذا الرجل ظل اقرب زملاء ابو نضال الى نفس ابو نضال وقد شاطره جريمته وارهابه خمسة عشر عاماً. "ثم فجأة - وكأن ضميره قد استيقظ، تغيّرت لهجته. فبدأ يخبرني بقصص لم اكد اصدقها. كيف كان ابو نضال يذلهم وكيف كان يتدخل في كل شيء. وقال ان الامر كان اسوأ من العيش في كومونة صينية". وسألني ماذا يفعل الآن؟ كيف يستطيع الهرب؟ هل اضمن سلامته؟ هل يهرب ويأخذ معه من الرجال اكبر عدد يستطيعه؟ فرددت عليه بأن هذا بالضبط هو ما يريده ابو نضال ان يفعله. ان كل ديكتاتور في التاريخ كان يحب ان يتخلص من الرجال الاقوياء الذين حوله، ثم يذرف عليهم دموع التماسيح! قلت له انه يجب عليه ان يبقى ويكافح، وعليه ان يفعل شيئاً عنيفاً لكسر قبضة ابو نضال، وربما اعتقاله وحجزه. ولم اشأ ان اقول بصراحة فظة فقط انه ينبغي عليهم ان يقتلوه، ولكننا نحن الاثنين معا كنا نعرف جيدا انه ما دام ابو نضال باقيا على قيد الحياة فسوف يظل خطراً".
وبطريقة او بأخرى، او عن طريق التنصت على المكالمات الهاتفية، علم ابو نضال باجتماع ابو نزار مع ابو اياد: فهذا اذن دليل مباشر على نوع المؤامرة التي كان يخشاها اكثر من اي شيء آخر، والتي لا يمكن ان تكون عقوبتها سوى الموت.
وبعد اسبوعين من الاجتماع، في صبيحة 18 تشرين الاول اكتوبر 1988، اغتال ابو نضال رفيقه القديم، ابو نزار. وقع الاغتيال في ضواحي طرابلس ليبيا في منزل واسع في حي سوق الجمعة، في احدى الدارات الثلاث في المجمّع الكبير الذي وضعه العقيد معمر القذافي تحت تصرف ابو نضال. كانت غرفة النوم الرئيسية في حجم شقة كاملة، ولها حمامها الخاص بها ومطبخها. وكانت تلك هي الغرفة التي ينام فيها ابو نضال احياناً وفيها تم قتل ابو نزار.
وكان عبدالرحمن عيسى في مهمة في السودان. وحسب افادته المسجلة على شريط، كان طار عائدا الى ليبيا مساء 17 تشرين الاول اكتوبر "كان من عادتي كلما رجعت من مهمة في الخارج ان اذهب رأساً الى مكتب ابو نضال لأقدم له تقريراً قبل ان اذهب الى منزلي، خصوصاً اذا كان لدي شيء حساس لايصاله اليه. ولكن شيئاً غريباً حدث هذه المرة. توجهت الى مكتبي ورفعت سماعة الهاتف قبل ان التقط انفاسي اللاهثة، لاتحدث مع ابو نضال. كان مكتبي على بعد بضع دقائق بالسيارة فقط عن مكتبه.
"صرخت: هاللو! لقد رجعنا!"
فأجابني بلهجة هادئة كالموت: "أهلاً وسهلاً! سوف نلتقي مساء غد!"
وهكذا توجه عيسى الى بيته، حيث اخبرته زوجته ان ابو نزار حاول العثور عليه مراراً عديدة، وقد كرر الاتصال بالهاتف. وفوجئ عيسى بذلك. اذ ان اعضاء المنظمة لم يكن مسموحاً لأحدهم ان يتصل بالآخر، وكانوا بالتأكيد ممنوعين من الاتصال به. فمنذ تخفيض رتبته ظل يعيش في عزلة تقريباً.
ولقد حاول عبدالرحمن عيسى وعاطف ابو بكر فيما بعد ان يعيدا بناء الاحداث كما وقعت ليلة 17 - 18 تشرين الاول اكتوبر 1988. ففي مساء 17 تشرين الاول اكتوبر اخذ ابو نضال ابو نزار وعاطف ابو بكر معه لزيارة القذافي في منزله. وبعد ذلك بقليل توجهوا بالسيارة الى منزل احمد جبريل، زعيم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين - القيادة العامة، في قرية بالقرب من طرابلس.
وبعد هذه الزيارات الاجتماعية، اوصل ابو نضال ابو نزار الى فندقه - كان ينزل في فندق اثناء مجيئه من الجزائر لزيارة ليبيا، ثم اوصل عاطف الى منزله. وقد اتفقوا جميعاً على ان امجد عطا، رئيس امانة السر، سيذهب الى ابو نزار في الثامنة والنصف من صباح اليوم التالي، وأن عاطف ابو بكر سيؤتى به بعد ذلك بقليل، في حوالي العاشرة. ولكن، في صباح اليوم التالي، لم يأت احد لأخذ عاطف ابو بكر الى الاجتماع الذي دبر في الليلة السابقة. وعندما اتصل هاتفياً بأبو نضال، قال هذا الاخير بأنه مشغول، وطلب تأجيل الاجتماع الى اليوم التالي.
وطوال ذلك النهار 18 تشرين الاول/اكتوبر 1988 ظل عاطف يتوقع ان يكلمه ابو نزار بالهاتف او يأتي لزيارته، كما كان من عادته ان يفعل عند زيارته لليبيا. ولكن لم يظهر اي شيء من ابو نزار. وفي صباح اليوم التالي، عندما ذهب عاطف الى اجتماع مع ابو نضال، لم يكن ابو نزار حاضراً. وعندما سأل عنه عاطف، قال ابو نضال بأنه عاد الى الجزائر.
وعند الغداء في ذلك اليوم تحدث عاطف بالهاتف الى بيت ابو نزار في الجزائر فعلم انه لم يصل الى هناك. وطوال بعد الظهر الح على ابو نضال في السؤال، ولكن قيل له فقط بأن ابو نزار في طريقه الى لبنان.
وأخبرني عاطف خلال حديث طويل في تونس في عام 1990: "… وشعرت بأن في الامور شيئاً ما. وزاد قلقي اكثر عندما اكتشفت ان حاجات ابو نزار الشخصية لا تزال في غرفته بالفندق - كان يقيم في الطابق الثامن في فندق باب البحر. وقد بقيت تلك الاشياء هناك الى ان اخذها عاطف حمودة، الذي يعمل في المديرية المالية، يوم 25 تشرين الاول اكتوبر 1988 - بعد ثمانية ايام من اختفاء صاحبها. وبعد بضعة ايام، وصلت برقية من لبنان تقول بأن ابو نزار وصل الى هناك. فأرسل لي ابو نضال نسخة منها - وكان ذلك بحد ذاته شيئاً غير معتاد، اذ انه لم يكن من عادته ان يرسل الي نسخاً من البرقيات التي يتلقاها. فاقنعني ذلك بأن هناك خللاً ما".
وكان على عاطف ابو بكر ان يذهب الى عدن في ذلك الوقت، فلم يعد الى ليبيا الا بعد حوالي شهرين، في اوائل عام 1989. ولم يظهر اي اثر لأبو نزار. وكان ابو نضال يتهرب من الاسئلة عنه، ولكنه بدأ يوجه اتهامات كبرى وخطيرة ضد نائبه السابق، وراح يخبر الجميع بلا استثناء بأن ابو نزار اختلس اموال المنظمة ليشتري بها املاكاً له ولعائلته، وأن اربعين الف دولار كانت مفقودة وناقصة من حساباته.
وبما انه لم يكن هناك برهان على ان ابو نزار كان ميتاً، فقد راح اصدقاؤه يأملون ان يكون محتجزاً في احد سجون المنظمة. وفي نيسان ابريل 1989 صمم عاطف ابو بكر على مواجهة ابو نضال بالامر، وطلب عقد اجتماع. كان مضى على اختفاء ابو نزار ما يقرب من ستة اشهر. وكان هدفه هو استكشاف امكانية وجود طريقة لانقاذه.
وعقد الاجتماع ليلاً في حي الاندلس من مدينة طرابلس في ليبيا، في واحد من البيوت الآمنة التي كان ابو نضال يستخدمها احياناً. وفي مقابله عبر الطريق كانت هناك دارة تأوي الحراس. وبينما كانوا يتحدثون في غرفة الاستقبال الواسعة الجيدة التأثيث، كان اربعة من حراسه المسلحين يحومون بين المطبخ والقاعة، ويطلون برؤوسهم بين فينة واخرى من الباب ليروا ان كانت هناك حاجة اليهم.
وقال لي عاطف: "كنت وحدي، وشعرت بأنني قد مشيت برجليّ الى فخ. لم يكن هناك مخرج. وحتى لو وصلت الى الشارع حيا، فلن استطيع الذهاب بعيداً. وسألت ابو نضال كيف يبرر اعتقال، وربما حتى إعدام، واحد من كبار اعضاء المنظمة من دون علم القيادة او موافقتها. لقد فقد عضو من القيادة ولا يعرف احد من رفاقه ما اذا كان حياً ام ميتاً! وسألته: أتتهم نائبك نفسه بأنه عميل؟ كيف تفسر ذلك للمنظمة؟ اذا كان ابو نزار مذنباً بالخيانة، فابنتي التي في العاشرة من عمرها مذنبة كذلك".
وأخبرني عاطف انه بذل جهداً كي يتحدث بالطريقة الهادئة والتي هي مع ذلك صريحة ومباشرة، كما كان يتوقع منه ابو نضال. وبدا ان ابو نضال عصبي. فقد ظل ينهض واقفاً ثم يعود الى الجلوس، وكأنه يخطط لموت عاطف ثم يغير رأيه. وبدأ يجادل في ان ابو نزار عميل سوري. فصاح به عاطف: "ولكنه كان نائبك.. ومسؤولاً عن كل شيء في غيابك: الاسلحة، والمباني، والكوادر. فلماذا يخونك الآن؟ وكيف يمكن ان يصير عميلاً سورياً فجأة هكذا وهو في الجزائر؟ ليس هذا معقولاً أبداً!"
وأخيراً سأله ابو نضال سؤالاً صريحاً ومباشراً ومفاجئاً عما اذا كان يعتقد بأن ابو نزار وعبدالرحمن عيسى كانا يتآمران عليه. فأجاب عاطف بأنه يعتقد انهما بريئان براءة ابنته. فسدد اليه ابو نضال نظرة جعلته يشعر كأنه على وشك ان يأمر بقتله في التوّ واللحظة في مكانه. ولكنه لم يستطع ان يرغم نفسه بالضبط على ان يفعلها.
وقال لي عاطف: وأخيراً سمح لي بالذهاب عند منتصف الليل. ولكي اهدئه وأسترضيه، وافقت على ان اراه في اليوم التالي. ولكنني خرجت مقتنعاً بأنه اغتال ابو نزار هناك في ليبيا… تماماً".
وبعد وقت قصير، في أيار مايو 1989 علم عاطف ابو بكر بأن ام نزار كتبت رسالة طويلة الى المنظمة عن زوجها. فطلب عاطف ان يعرف محتوياتها. فجاء ابو نضال وأعضاء آخرون من اللجنة المركزية الى بيته، ووافق امجد عطا على قراءة الرسالة على المجتمعين بصوت عال. ووصف عاطف المشهد لي: "جلس ابو نضال على مقعد مقابل لي وراح يرقب وجهي طيلة القراءة، وقال: "سوف ترى ان هذه ليست لغة ام نزار. لا بد ان وكالة مخابرات كتبتها لها!". والواقع ان الرسالة كانت جريئة، وتطرق الموضوع بلا مداورة، وكانت بخط يد ام نزار. وفي احدى فقراتها تصف كيف ذهبت اثناء بحثها عن زوجها لمشاهدة الدكتور غسان وعصام مرقة في صيدا، وكيف لقيت منهما معاملة سيئة، ومدى الاذلال الذي شعرت به".
وتابع عاطف ابو بكر قصته: "واضطربت اضطراباً شديداً، وسالت الدموع على وجهي. فطلب ابو نضال من امجد عطا ان يوقف القراءة وسألني ما الأمر. فقلت انه لا شيء، وطلبت منه ان يتابع القراءة. غير انني لم اعد انصت اليه في الواقع، بل رحت افكر: اهذه هي اللحظة المناسبة، ام هل انتظر قليلاً؟ ثم قررت انها اما ان تكون الآن، او لا تكون الى الابد.
"وعندما انتهى عطا سألني ابو نضال عن رأيي. فتحدثت بوضوح وببساطة: ان مصير ام نزار هو المصير الذي ينتظر زوجاتنا جميعاً… واحدة واحدة. ههنا نفترق. انتم عصابة مجرمين!"
"وبعد ان قلت كلمتي، حاول ابو نضال ترقيع الامور. فقال انه سيتصل بي عندما اكون اقل جيشاناً وانفعالاً. غير ان نظراته كان ينضح منها الموت".
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

mi-17

مشرف
مشرف



كتاب " ابو نضال : بندقيه للايجار " بقلم الكاتب باتريك سيل  Unbena20كتاب " ابو نضال : بندقيه للايجار " بقلم الكاتب باتريك سيل  Unbena11كتاب " ابو نضال : بندقيه للايجار " بقلم الكاتب باتريك سيل  Unbena30
كتاب " ابو نضال : بندقيه للايجار " بقلم الكاتب باتريك سيل  Unbena23




كتاب " ابو نضال : بندقيه للايجار " بقلم الكاتب باتريك سيل  Empty
مُساهمةموضوع: رد: كتاب " ابو نضال : بندقيه للايجار " بقلم الكاتب باتريك سيل    كتاب " ابو نضال : بندقيه للايجار " بقلم الكاتب باتريك سيل  Icon_minitimeالثلاثاء يونيو 21 2016, 23:27

الحلقه الاخيره 

بعد التصفيات الداخلية التي اجراها ابو نضال داخل منظمته في الفترة بين 1987 و1988، قرر عاطف ابو بكر، احد الرجال البارزين في هذه المنظمة، التمرد على ابو نضال والتخلي عنه وبناء جسور مع حركة فتح، وبالتحديد مع ابو اياد. كان ذلك في ربيع 1989.
بدأ عاطف ابو بكر باتخاذ سلسلة تدابير وقائية منها مضاعفة الاقفال على ابوابه، وتجنّد اصدقاء من منظمة احمد جبريل ليعملوا كحراس له، وتحذير ابو نضال من مغبة محاولة قتله. واشاع ابو بكر انه سيغادر متجهاً الى موسكو، وعدن، وبودابست، ليسمع فقط بان ابو نضال قال بانه يأمل ان يذهب ابو بكر الى بودابست حيث تكون مهمة قتله اسهل.
كان همّ ابو بكر الكبير قلقه على زوجته وابنته البالغة من العمر عشر سنوات. فقد خشي انه اذا اختطف وانتزعت منه مفاتيح بيته، فان رجال ابو نضال قد يأتون ويختطفون عائلته كذلك. وهكذا صار كلما غادر البيت يخفي مفاتيحه تحت حجر في حديقة مقابلة له عبر الطريق. وذات يوم، بينما كانت زوجته ترقبه من شباك في الطابق العلوي، شاهدته وهو يخفي المفاتيح. فنزلت لتستعيدها، وفي المساء طلبت منه توضيحاً. قالت: "من الواضح انك في خطر. ان من الافضل ان تخبرني. وكان سؤالها الاول عن ابو نزار. كانت تريد ان تعرف ما الذي حل به. وعندما اخبرها ابو بكر ان ابو نضال قتله في تشرين الاول اكتوبر السابق، قالت بانها خمنت ذلك عندما سمعته يتحدث بالهاتف مع زوجة ابو نزار في دمشق.
في 28 آب اغسطس 1989 تمكن عاطف ابو بكر من تدبير امر هربه الى الجزائر جواً، ثم شرع على الفور باتخاذ ترتيبات كي تنضم اليه وتلحق به زوجته وطفلته هناك. كان قد حصل على جوازي سفر ديبلوماسيين لزوجته، احدهما جزائري، والآخر يمني. وتحدث اليها بالهاتف بالتشيكية - وهي لغة كان كلاهما تعلمها عندما كان ممثلاً لمنظمة التحرير الفلسطينية في براغ. فأمرها ان تأخذ طائرة اليوم التالي الى الجزائر العاصمة مستعملة جواز سفرها الجزائري. وتوخياً للسلامة، كان عليها ان تصطحب الى المطار جيرانهم الليبيين، والممثل المحلي لاحمد جبريل.
غير ان خيبة امل كانت بانتظارها. فموظفو المطار، الذين لا بد انهم كانوا من مؤيدي ابو نضال، ابقوها في الانتظار خمس ساعات وهم يتفحصون اوراقها، الى ان اقلعت الطائرة بدونها آخر الامر. فعرفت انها في فخ. وفي اشارة تحدٍ مزقت بطاقة الطائرة في وجه رجل ابو نضال في المطار، وقالت له: "قل لابو نضال ان كان يتحرق لقتال فعليه ان يقاتل اسرائيل، وليس امرأة". ولم تجرؤ على العودة الى بيتها، فطلبت من ممثل احمد جبريل ان يستضيفها وابنتها تلك الليلة.
وفي تلك الاثناء، في الجزائر، قرر عاطف ابو بكر ان لا يكون في استقبال الطائرة القادمة من ليبيا خشية ان يحاول ابو نضال قتله هناك. وهكذا ارسل شخصاً آخر، فعاد هذا ليبلغه بان زوجته لم تكن على متن الطائرة. فاتصل هاتفياً بممثل احمد جبريل في طرابلس، وتنفس الصعداء عندما علم ان زوجته وطفلته كانتا عنده.
"تحدثت اليها بالتشيكية. وقلت لها: "اتّبعي تعليماتي بدقة. انني سوف اتصل هاتفياً بجماعة ابو نضال كي اسألهم عن سبب المشكلة في المطار. وسوف ابدو طبيعياً في حديثي معهم تماماً. سأقول لهم بأنك تنوين ان تغادري يوم الاحد، واطلب منهم ان يجروا الترتيبات اللازمة. "وفي هذه الاثناء، عليك ان تغادري هذه الليلة الى تونس. سافري بجواز سفرك اليمني واطلبي من جيراننا الليبيين ان يذهبوا معك".
وهكذا غادرت زوجة ابو بكر بالسيارة مع ابنتها واصدقائها الليبيين فوصلت بسلام الى تونس بعد رحلة استغرقت اثنتي عشرة ساعة. وطار ابو بكر من الجزائر، فالتأم الشمل مرة اخرى. وعندئذ فقط عاد بصرها الى طبيعته.

دور سعدالدين الشاذلي

كان ابو بكر قيادياً بارزاً في الاوساط الفلسطينية، ولذلك كان هربه ضربة خطيرة لابو نضال. وفي تلهفه على الحد من ضررها ارسل ابو نضال وفداً الى الجزائر في تشرين الاول اكتوبر 1989 كي يعرض على ابو بكر تأشيرة دخول سويسرية له ولعائلته، ونفقات كاملة، علاوة على مكافأة نقدية من نصف مليون دولار، اذا وافق على وقف النزاع. كان الوفد برئاسة عضو المكتب السياسي شوقي محمد يوسف واسمه الحركي منير احمد، ويضم في عضويته رئيس المخابرات المخفض الرتبة عبدالرحمن عيسى. غير ان ابو بكر رفض، واجتمع بدلاً من ذلك بعبدالرحمن عيسى سراً، وبالاتفاق مع المخابرات الجزائرية اقنعه ان يهرب هو الآخر. ففعل، في اواخر تشرين الاول اكتوبر 1989، وانضم الى ابو بكر في الجزائر.
وفي 27 تشرين الاول اكتوبر، اصدر عبدالرحمن عيسى بياناً مطولاً يكاد يكون برمته مخصصاً لشجب "الاغتيالات العشوائية العمياء" لاعضاء المنظمة، ولا سيما اغتيال ابو نزار. وطالب بوضع الحقائق امام لجنة محلفين دولية.
وفي اول تشرين الثاني نوفمبر 1989 اصدر عاطف ابو بكر وعبدالرحمن عيسى بياناً مشتركاً كان في الواقع اعلاناً للحرب فقد اعلنا تشكيل "قيادة طوارئ" بهدف الاستيلاء على المنظمة ومعاقبة ابو نضال. وجاء في البيان "لقد سقط شهداؤنا في حروب خاطئة... وعمليات روما، وفيينا، والسودان، واثينا، وباريس وكراتشي كانت بلا معنى وقد اوقعت بنا ضرراً هائلاً. ولقد كان من الواجب ان يقاتل شهداؤنا في فلسطين، ولكن ابو نضال ادار ظهره للنضال العادل".
عاد ابو بكر الى فتح وهو يشعر بالفرج والخلاص. كانت فتح هي الحركة التي التزم بها طوال عمره. اما عبدالرحمن عيسى فكان رجلاً عملياً، وليس منظّراً. فقد ظل ملازماً لابو نضال ومن اقرب شركائه عشرين عاماً. كان عيسى يعرف الهوية الحقيقية للكوادر، ومواقع مخابئ الاسلحة والحسابات السرية في المصارف، ومحتويات الرسائل التي كان ابو نضال يتبادلها مع الحكومات واجهزة المخابرات الاجنبية. وعلى عكس ابو بكر، لم يكن عيسى يشعر بالحنين الى فتح، بل انه، لم يستطع ان يخلص نفسه بسهولة من فكرة الاعتقاد بان فتح كانت منظمة خائنة.
وكما فعل ابو نضال مع ابو بكر. ارسل مبعوثين عديدين لمغازلة عيسى واجتذابه للعودة الى ليبيا للتفاوض. وكان من بين هؤلاء الفريق سعدالدين الشاذلي، الذى كان رئيس اركان الجيش المصري اثناء حرب اكتوبر 1973، وكان لجأ الى الجزائر بعد ان اختلف مع الرئيس الراحل السادات. ولكن عبدالرحمن عيسى كان اذكى من ان يقع في مثل هذه المطبات. فقال للفريق الشاذلي: "فليرسلوا الي ابو نزار مبعوثاً. انهم يزعمون انه لا يزال حيّاً، فان كان ذلك صحيحاً، فليسمحوا لي بمصافحة يده، فان رأيت انه بخير، فسأعود". وكان عيسى يعلم بالطبع ان ابو نزار راقد في قبره منذ زمن طويل.
صباح 25 نيسان ابريل 1990، بينما كان عيسى يقف وحده خارج دارته على شاطئ البحر في ضواحي الجزائر، هاجمه ثلاثة رجال مقنعين بجوارب نسائية، وحاولوا الزج به في سيارتهم. غير انه ابدى بعض المقاومة. فأطلقوا عليه النار مرتين من مسدس بعد ان هاجموه بفأس، ثم هربوا وتركوه معتقدين انه مات. ولكنه اصيب بجروح شديدة في رأسه وجسده. وتمكن الجراحون في المستشفى العسكري بالجزائر من انقاذ بصره، ولكنهم اضطروا لاستئصال احدى كليتيه. واستطاع ان يتعرف على مهاجميه وهم من رجال ابو نضال.
وبمجرد اصدار عاطف ابو بكر وعبدالرحمن عيسى لبيانهما الذي يعلن اقامة قيادة الطوارئ، بدأت رسائل التأييد تتدفق من اعضاء آخرين ساخطين في لبنان وسورية والجزائر وسرعان ما راحت قيادة الطوارئ، بتسليح وتمويل من فتح وحماية من ابو اياد، تشن حرباً على ابو نضال في مخيمات اللاجئين في جنوب لبنان. وفي منتصف حزيران يونيو 1990 تبودلت الاغتيالات في الرشيدية، المخيم الذي يضم 15 ألف فلسطيني قرب صور، ثم تصاعدت الى معركة بالرشاشات هُزم فيها رجال ابو نضال هزيمة منكرة. وتلا ذلك اشتباك اعنف في ايلول سبتمبر الى الشمال على الساحل قرب صيدا في عين الحلوة، اكبر مخيمات اللاجئين في لبنان، الذي يأوي 150 ألف لاجئ. وفي معركة استمرت ثلاثة ايام قُتل 80 فدائياً وجرح 250 آخرين اثناء اجتياح مقر قيادة ابو نضال الحصين.
وعلى كل حال فقد ظل ابو نضال يحتفظ بعدد من المعاقل: في القريتين المرتفعتين بقسطا وكرخا قرب صيدا، حيث تقبع اكثر لجانه حساسية في منطقة يسيطر عليها الزعيم الدرزي وليد جنبلاط، وفي مدينة صيدا نفسها، حيث يقع مركز حاسوبه الآلي، ويعيش العديد من كوادره العليا تحت حماية رجل صيدا القوي، الزعيم الناصري، مصطفى سعد.
وفي صيف 1991 وفي هذه الاجواء تم اغتيال ابو اياد في تونس في 14 كانون الثاني يناير 1991.

من وراء اغتيال ابو اياد؟

ليس هناك ادنى شك في ان ابو نضال هو الذي قتل ابو اياد، مستخدماً حمزة ابو زيد كآلة تنفيذ في يده. وهذا امر اتفق عليه جميع الذين حاورتهم بشأن هذه القضية. ويستند هذا الرأي في المقام الاول على اعتراف حمزة نفسه. فقد اخبر مستجوبيه انه تلقى الامر بقتل ابو اياد من رجل في منظمة ابو نضال. وبالاضافة الى ذلك، فان الالفاظ التي شتم فيها ضحيته - مثل كلمة خائن، ومفسد للثورة الفلسطينية، "والعدو الداخلي" - هي بالضبط الالفاظ التي ظل ابو نضال يستعملها في شجب فتح سنوات طويلة. وفي لحظة اطلاق الرصاص على ابو اياد صرخ حمزة: "فليساعدك عاطف ابو بكر الآن!". وهذا دليل واضح على ان ابو نضال كان يريد الانتقام من الرجل الذي يعتقد ان ابو اياد زرعه في منظمته لتدميرها. وأثناء محاصرة الدارة طالب حمزة، كما سبق ورأينا، مراراً وتكراراً بجلب عاطف ابو بكر اليه. والمفروض انه كان يريد ان يقتله هو الآخر.
ولطالما اخبرني ابو اياد، والابتسامة الساخرة تعلو شفتيه، بأن ابو نضال يكرهه، ليس فقط بسبب محاولة كل منهما قتل الآخر، ولا لأن ابو اياد ابقاه خارج نطاق منظمة التحرير الفلسطينية، وهندس عمليات الانشقاق والهرب في منظمته، ولكن لأن ابو نضال لم يكن يطيق الاعتراف بأنه مدين لابو اياد بالمساعدة والحماية اللتين قدمهما له في سنواته الأولى. ولذا فانه يجب النظر الى اغتيال ابو اياد باعتباره التصفية النهائية لحساب قديم.
لقد كان لدى ابو نضال العديد من الاسباب كي يقتل ابو اياد، غير ان ضباط المخابرات العربية والاجنبية الذين حاورتهم تكهنوا باحتمال وجود "يد خفية" وراء عملية الاغتيال، وأن الشك يحوم حول ليبيا والعراق واسرائيل.
وتسلّم الاوساط الفلسطينية بأن العلاقات بين ابو اياد والعقيد معمر القذافي لم تكن ودية طوال سنوات. وهي تعود جزئياً الى كراهية شخصية، كما يقولون، وتعود في جزء آخر الى ارتياب القذافي في كون ابو اياد يتآمر للاطاحة به بالتعاون مع ليبيي منفي مقره في القاهرة، وهو عبدالمنعم الهوني، الرئيس السابق للمخابرات الليبية. ولا بد ان يكون القذافي غضب ايضاً من جهود ابو اياد لزعزعة استقرار منظمة ابو نضال التي كانت تحت حمايته، والتي يعتبرها ذراعاً من اذرع المخابرات الليبية. لكن ليست هناك ادلة على ان القذافي طلب فعلاً من ابو نضال اغتيال ابو اياد.
وذكر البعض ان صدام حسين، وليس القذافي هو الذي يقف وراء الاغتيال بحجة ان ابو اياد، على عكس ياسر عرفات، لم يكن سعيداً بتحالف منظمة التحرير الفلسطينية مع بغداد، وأنه كانت هناك حاجة لازالته كي يعيش ذلك التحالف. وبالاضافة الى ذلك كانت هناك في بعض الاحيان مزاعم بأن ابو نضال غادر ليبيا الى العراق قبيل اندلاع نزاع الخليج، فأعاد ولاءه الى راعيه الاول.
صحيح ان عرفات كان اعلى صوتاً من ابو اياد في تأييد صدام خلال ازمة الخليج. على انه لم يكن هناك اختلاف بينهما حول الموقف الاساسي لمنظمة التحرير الفلسطينية الا وهو: التمسك بمبدأ الانسحاب العراقي من الكويت ومحاولة تجنب الحرب في اطار حل عربي للازمة.
وكان صدام حسين يطالب بالربط بين قضيتي فلسطين والكويت. وكان بحاجة الى دعم فلسطيني، بل والى اي دعم عربي يتمكن من حشده. ولكي ُيسبغ على نزاعه مع الكويت بُعداً عربياً فقد اصطنع موقف بطل الفلسطينيين من اول ايام الازمة. ولهذا كله فانه لا معنى للافتراض بأنه اختار تلك اللحظة الحرجة، والحرب على بعد ساعات فقط، لكي يقتل فيها اقرب المقربين لعرفات.
وفي تحقيقاتي لم اجد ما يؤكد نبأ انتقال ابو نضال الى بغداد. فحسب افضل معلومات مصادري، ظل ابو نضال طيلة مدة الحرب في ليبيا، حيث ابقاه القذافي - الذي كان يخشى من انتقام التحالف - تحت سيطرة محكمة. وحسب مصادر المخابرات الغربية، فان القذافي لم يسمح لابو نضال حتى باستخدام محطة اذاعته اثناء النزاع، خشية ان تُتهم ليبيا برعاية الارهاب الدولي. ومن المذهل انه لم يتم الابلاغ عن وقوع عمل ارهابي واحد يمكن ان يعزى الى ابو نضال طوال ازمة الخليج كلها في اي مكان من العالم كله، الا اغتيال ابو اياد. ولو كان صدام هو المسيطر على زمام ابو نضال في تلك اللحظة، كما يدّعي البعض، لاستخدمه بطريقة افضل ضد اعداء العراق المتعددين.
من بين الآباء المؤسسين الاربعة لفتح لم يبق سوى ياسر عرفات. فمحمد يوسف النجار قتله فريق اغتيال اسرائيلي في بيروت 1973، وخليل الوزير ابو جهاد، القائد العسكري الاعلى، قتله الكوماندوس الاسرائيليون في تونس عام 1988. ويبدو ان من المنطقي النظر الى مصرع ابو اياد ورفيقه ابو الهول كجزء من ذلك المخطط المنهجي.
لقد تمت عملية القتل في كانون الثاني يناير 1991 عشية هجوم قوات التحالف على العراق. فمنذ ان غزا العراق الكويت في آب اغسطس 1990 كانت اسرائيل تلح على استعمال القوة ضد صدام حسين. ولذلك ظلت في تصريحاتها العلنية ومناشداتها الخاصة وفي اتصالاتها مع الحكومة الاميركية وغيرها من الحكومات، ظلت اسرائيل تضغط بتصميم من اجل الحرب، كما انها ضمنت الحصول على تعهدين مهمين من الرئيس بوش: اولهما ألا تقبل الولايات المتحدة، اي ربط بين احتلال العراق للكويت واحتلال اسرائيل نفسها للضفة الغربية وغزة والقدس الشرقية ومرتفعات الجولان وجنوب لبنان - ولم يكن وارداً في اي حال ان تقبل واشنطن مثل هذا الربط - وثانيهما ان تقوم اميركا بتدمير اسلحة العراق النووية والكيماوية والجرثومية وإلا فستقوم اسرائيل بهذه المهمة بنفسها.
في عام 1967 اعطت غلطة عبدالناصر، التي ارتكبها حين أغلق مضائق تيران، اسرائيل الفرصة لتسحقه. وفي عام 1990 اعطى صدام حسين بدوره العالم ذريعة للحرب، وكانت اسرائيل مصممة، في هذه المرة ايضا، ان تجني منها اكثر الثمار. فخلال حربه مع ايران التي استمرت ثماني سنوات، حصل العراق على صواريخ بعيدة المدى، واسلحة كيماوية وطوّر انظمة اخرى وكانت كلها تشكل تحدياً للتفوق الاسرائيلي. وكان هذا امرا مذعراً لاسرائيل. ومن هنا جاء تلهفها على ان ُتشن الحرب على العراق، لأنها كانت تعلم ان تدمير قوة العراق العسكرية يمكن ان يغير بيئتها الاستراتيجية تغييراً جذريا مشابها للتغيير الذي احدثته هزيمة مصر عام 1967. وأتاحت اخطاء صدام حسين المجال لذلك.
وفي 14 كانون الثاني يناير 1991 وبينما كان انذار الامم المتحدة على وشك النفاد والعالم يحبس أنفاسه، أقدم رجل ابو نضال حمزة أبو زيد، على قتل ابو إياد وابو الهول رئيسي جهازي مخابرات وأمن منظمة التحرير. وعند وصول الخبر الى بغداد طار عرفات الحزين منها عائداً الى تونس ليشيع رفيقيه الصديقين. ودخلت الحركة الفلسطينية في خضم البلبلة والفوضى. وما إن بدأت عاصفة الصحراء تنطلق فوق العراق حتى دخلت منظمة التحرير الفلسطينية في تجربة هزيمة اخرى جديدة.

مسؤولية منظمة التحرير

بعد اغتيال ابو اياد حاولتُ الاتصال بعدد من المنشقين عن ابو نضال او الهاربين من منظمته. لكنهم بدأوا يتوارون عن الانظار. ذلك ان اغتيال ابو اياد حرم كثيرين من حاميهم. ففي تونس، التي ذهبت اليها منظمة التحرير الفلسطينية بعد طردها من بيروت في عام 1982، بدا الامر وكأن احدهم قد قلب عش نمل ظهراً لبطن، بحيث هرع سكانه الى كل اتجاه. ولم تكن منظمة التحرير استعادت أعصابها منذ ان قتل الاسرائيليون قائدها العسكري ابو جهاد في تونس عام 1988. وقد زاد اغتيال ابو اياد الامور سوءاً. وبقتل ابو اياد اثبت ابو نضال انه قادر على ضرب القمة نفسها في اجهزة الامن والمخابرات التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية. فلم يعد هناك احد سالماً. واتضح ان منظمة عرفات انكشفت مرة اخرى كمؤسسة متراخية، مترهلة، فوضوية، ومخترقة، فلم يعد احد يثق بأحد. وانحطت معنويات المنظمة بشكل مروع رهيب.
كما ان عاطف ابو بكر وزملاءه في قيادة الطوارئ وقعوا في مأزق صعب. كانوا اقسموا على انتزاع المنظمة من يدي ابو نضال. اما وقد خسروا ابو اياد، فإنهم تفرقوا وهم يخشون على انفسهم من القتل. فغاص بعضهم تحت الارض. وهناك آخرون مثل ابو بكر نفسه، ممن اصبحوا مفلسين، فجمعوا ما استطاعوا وغادروا تونس بحثا عن ملاذ اكثر أمنا في الخارج. ولا يكاد احد من هؤلاء الرجال يعرف عدد المرات التي أرغم فيها على حزم حقائبهم.
ثم ان الكارثة التي عانت منها منظمة التحرير الفلسطينية سرعان ما صارت ابشع بكثير، من خلال الهزيمة المذلة لصدام حسين، الذي كان عرفات أيده. وهكذا فإن عرفات، الذي كان يريد ان يعترف به الغرب، وجد نفسه مداناً من قبل جزء كبير من الغرب، ومن قبل معظم العرب كذلك. فتوقف هؤلاء عن إرسال الاموال الى منظمة التحرير. وضاق كثير من الفلسطينيين ذرعا بعرفات، رغم ان معظمهم لا يستطيع ان يقول ذلك بصوت عال. كان الهيكل الاساسي للمقاومة الفلسطينية خارج الاراضي العربية المحتلة ينهار. وضاعت سدى سنوات من الجهد الديبلوماسي، فيما اخذت منظمة التحرير تبدو اكثر ضعفا وعزلة من اي وقت مضى.
وكان سوء حظ عرفات من حسن حظ ابو نضال، رغم ان الخارجيين لم يفهموا ذلك دائما في حينه. فخلال نزاع الخليج، تكهنت الصحافة الغربية بأن ابو نضال سيضع ارهابييه تحت تصرف صدام حسين، راعيه الاول. غير ان ذلك دل على سوء فهم لأبو نضال، الذي كان أدهى من ان يدعم طرفا خاسراً. ثم انه ما كان يختار الطرف نفسه الذي اختارته منظمة التحرير.
لقد خدم ابو نضال دولا عدة لها مصالح كثيرة. وطوال حياته، كان الخيط الناظم لأعماله هو عداؤه لياسر عرفات ومنظمة التحرير. وهو عداء شاطره إياه كل واحد من رعاته الذين اشرفوا عليه. وهذا يعطي الدليل المؤشر على نجاحه. لقد ظلت اسرائيل ترغب في تدمير منظمة التحرير اعواماً طوالاً. كما ان رعاة ابو نضال العرب وجدوا في منظمة التحرير تهديداً لهم. فقد شعروا بأن من الضروري احتواءها واضعافها، كي يحبطوا طموح عرفات في صنع سياسته بصورة مستقلة. ولقد ابقى ابو نضال الحركة الوطنية الفلسطينية في الحضيض سنوات طويلة، واستفاد من ذلك العرب والاسرائيليون على حد سواء.
وقد اعلن الزعماء العرب عن دعمهم للقضية الفلسطينية، غير انهم لم يثقوا بمنظمة التحرير الفلسطينية التي غالبا ما كانت تتحدى سلطاتهم في بلادهم نفسها، وتجتذب الضربات الانتقامية الاسرائيلية، بل وتهدد بجرهم الى الحرب. وينبغي ان تتحمل منظمة التحرير جزءا من اللوم على هذا العداء العربي لها. فقد سمحت لنفسها ان تتورط في المشاحنات العربية. فاصطدمت في اوقات مختلفة بمصالح الدولة في كل من الاردن، ولبنان، وسورية، وتونس، وحديثاً جداً في الكويت. ثم ان موظفيها البيروقراطيين لا كفاءة لمعظمهم. كما انها تعلقت زمناً اطول من اللازم بشعارات تفوح منها رائحة الحروب، وكانت بطيئة الى درجة قاتلة في تحديد اهداف سياسية واقعية ولم يكن يرجى منها امل في عرض قضيتها على الغرب، بل كانت مجموعة من الاصوات المتبلبلة المتباينة المتناقضة التي يخدم كل منها ذاته، بدلاً من ان تكون حركة تحرير متجانسة منضبطة.
ومع ذلك لا يزال الفضل يعود الى عرفات في ادانة الارهاب ومحاولة البحث عن تسوية مع اسرائيل بالمفاوضات منذ عام 1974. وهذا موقف افزع الرافضين من العرب والاسرائيليين الى درجة ان اكثر الحمائم التزاماً في منظمة التحرير اغتيلوا على يد قتلة اسرائيليين وعرب. والحقيقة ان منظمة التحرير الفلسطينية ظلت اعواماً طويلة الضحية الرئيسية للارهاب، وليست مرتكبته، وهذا نقيض المفهوم الشعبي الشائع الذي تشجعه اسرائيل وتروج له في دعايتها.
واليوم، فإن منظمة التحرير تبقى، في غياب البديل، محط انظار الفلسطينيين على رغم انها مضروبة ومتعثرة الخطى تترنح تحت هجمات اسرائيلية وعربية. وسيغادر عرفات المسرح عاجلاً ام آجلاً، وقد تنسحق الانتفاضة او تموت من التعب المنهك، غير ان الوطنية الفلسطينية لن تختفي، وربما تصبح اكثر عنفاً وضراوة مادام هناك خمسة ملايين من البشر الاحياء الذين يسمون انفسهم فلسطينيين. والى ان يتم للفلسطينيين الانتصاف من المظالم التي هم على حق في الشكوى منها، فإن الفلسطينيين والعرب لن يعيشوا في سلام مع اسرائيل.
ولقد كان كثير من تلك المشاكل - كالاحتلال الاسرائيلي، والمقاومة الفدائية، والام المدنيين، والارهاب - نابعاً من انتصار اسرائيل عام 1967 على مصر وسورية والاردن، عندما احتلت اجزاء كبيرة من الاراضي وبرزت كقوة استعمارية اقوى بكثير من جيرانها كلهم مجتمعين. وكان اسحق دويتشر، مؤرخ الثورة الروسية، واحداً من اول الذين لاحظوا بأن استعمار مليون عربي او يزيد سوف يؤذي اسرائيل ويضرها. وقد اقتبس عبارة المانية مريرة: "انك تستطيع ان تقود نفسك بانتصار… الى قبرك". فبعد ايام قليلة فقط من حرب الايام الستة قال دويتشر - وهو يهودي من اعداء ستالين البارزين - في مقابلة اجراها معه مندوب مجلة نيولفت ريفيو: "لم استطع ان اتفرج الا باشمئزاز على المشاهد التلفزيونية من اسرائيل في تلك الايام: استعراضات عنجهية الغزاة ووحشيتهم، وانفجارات المشاعر الشوفينية، والاحتفالات المعربدة بالنصر الشائن، وتناقض ذلك كله بحدة مع صورة آلام العرب والدمار والاسى في ديارهم، والنزوح الجماعي للاجئين الى الاردن، وجثث الجنود المصريين الذين قتلهم الظمأ في الصحراء. ونظرت الى شخصيات العصور الوسطى من الحاخامات وهم يتراقصون طرباً عند حائط المبكى، وشعرت كيف اطبقت على البلاد اشباح النزعة الظلامية التلمودية المغرقة في رجعيتها - وانا اعرف هذه الاشباح جيداً - وكيف تنامى في اسرائيل هذا الجو الرجعي الكثيف الخانق. ثم جاءت المقابلات الكثيرة مع الجنرال دايان، "البطل"، و"المنقذ" ذي العقلية السياسية التي لا ترقى الى عقلية رقيب اول في فوج عسكري، يتبجح بلهجة مسرحية صاخبة عن عمليات الضم والالحاق، ويتقيء قسوة العلوج الخشنة الغليظة عن مصير العرب في المناطق الحرة المغزوّة "ما الذي يهمني من امرهم؟ فبقدر ما يتعلق الامر بي يمكنهم البقاء، ويمكنهم الذهاب، فالمسألة سيّان".
لو استجابت اسرائيل لعرض عرفات
واني لاتساءل ماذا كان دويتشر سيقول في شامير، ورابين، وشارون، وآرينز، وغيئولا كوهين، والبقية، وتكسير العظام بالضرب المبرّح، وحالات التعذيب، ومعسكرات الاعتقال الرهيبة المروعة، ومنع التجول الذي لا يرحم، وفرق القتل، والاطفال الذين يسقطون صرعى بالعشرات، والامرأة الفلسطينية ابنة التسعة عشر عاماً التي قرأت عنها منذ ايام وكيف أُرغمت على ان تلد بينما يداها مشدودتان بالاصفاد الى قضبان سريرها في مستشفى اسرائيلي؟
كيف يستطيع اليهود، الذين عرفوا الاما اقسى بأنفسهم ان يفعلوا مثل هذه الاشياء؟ ذلك ان حياة ابو نضال التعسة البائسة ما كانت لتسير على هذا النحو لو قبلت اسرائيل التفاوض مع منظمة التحرير الفلسطينية عام 1974 عندما ارسل عرفات رسائله الاربع الى هنري كيسنجر وابلغه فيها انه مستعد للجلوس الى مائدة المفاوضات.
ويقول الكاتب الاسرائيلي عاموس اوز بأن الاسرائيليين والفلسطينيين ُجنّ جنونهم، وانه من اجل حمايتهم من جنونهم هذا، يجب الفصل بينهم الى ان يتمكنوا من استعادة شيء من التعقل. وكتابي هذا عن ابو نضال يصف حالة اختلال عقلي. وقد كتبته لاوضح نوع الجنون الملطخ بالدماء الذي يجري خلف الكواليس. فالفلسطينيون والاسرائيليون يقتتلون على قطعة ارض بحجم منديل الجيب - الضفة الغربية - التي احتلتها اسرائيل عام 1967. فآمال الفلسطينيين في الحصول على هوية، وعلى استعادة احترامهم لانفسهم، ترتكز على هذه الشريحة او الشظية من الارض، اذ ان اي شيء اقل من حكم انفسهم بأنفسهم هناك يعني استمرار الشتات او العبودية المريرة. فهم يقتلون وُيقتلون ليستعيدوها. غير ان كثيراً من الاسرائيليين الزاعمين بأن الضفة الغربية جزء لا يتجزأ من "ارض اسرائيل" مستعدون للقتل وللموت بدلاً من التخلي عنها. ومن دون السلام فإن المستقبل ينذر بالمزيد من الارهاب والارهاب المضاد من النوع الوحشي القاسي الذي وصفته في هذا الكتاب.
وعلى مدى السنوات، بدأت اعتقد ان امن اسرائيل على المدى البعيد لا يعتمد على سحق الوطنية الفلسطينية ومنظمة التحرير بل على التفاهم معهما. فوجود دويلة فلسطينية على حدود اسرائيل هو ابعد ما يكون عن تهديدها، بل انه سيقويها بأن يكسبها قبولاً في اسرة الشرق الاوسط.
ويميل الاسرائيليون الى التعبير عن وضعهم بعبارات ومصطلحات وجودية، وكأنهم تحت التهديد المستمر بالانقراض، ولكن اسرائيل لا تواجه تهديداً لوجودها، فقد كانت اخر مرة واجهت فيها مثل هذا التهديد هي فترة الهدنة القصيرة اثناء حرب عام 1948، كما اعترف بذلك علناً عازر وايزمن، بطل الحرب الاسرائيلي وقائد القوى الجوية السابق. فالنقاش اليوم لا يدور حول وجود اسرائيل - اذ ان هذه المسألة حسمت منذ اربعين عاماً - بل حول شروط وطبيعة السلام الذي يجب ان تقيمه مع الارض العربية الداخلية المحيطة بها. وهو سلام اتوق اليه بشدة، باعتباري واحداً ممن انهمكوا في دراسة المنطقة طيلة العقود الثلاثة الماضية.
وعلى رغم ان العرب يريدون السلام، فإن هناك في تقديري شيئين لن يقبلوهما، واذا اصرت اسرائيل عليهما فمن المؤكد ان يولدا مزيداً من العنف الارهابي الذي يشبه عنف ابو نضال، وحروبا اخرى مع مرور الزمن. واول هذين الشيئين هو دوام قهر الشعب الفلسطيني وتشريده، فإذا كانت اسرائيل تريد السلام فإن عليها ان تفسح مجالاً لوطن فلسطيني، كشريك لا كخصم، ضمن حدود فلسطين التاريخية.
اما الشيء الثاني الذي لن تتسامح معه المنطقة فهو السيطرة الاسرائيلية الدائمة. فالعرب غير مستعدين للعيش الى اجل غير مسمى من دون حماية مناسبة وملائمة في ظل القوة الاسرائيلية، وفي خوف من هجومها عليهم بتفوقها العسكري الكبير. ذلك ان تعرضهم للعطب والاذلال سيدفعهم حتماً الى الحصول على وسائل ايقاف اسرائيل عند حدها. ومثل هذه الوسائل قد لا تكون متاحة بعد لجيران اسرائيل غير ان بحثهم عنها سوف يستمر، وهناك احتمال كبير بأنه سيجعل اسرائيل على الارجح توجه اليهم ضربات وقائية، الامر الذي يشعل دورة جديدة من العنف.
ومع ذلك فإن السلام المستقر الذي يدوم وقتاً طويلاً بين اسرائيل وجيرانها لا يمكن ان يرتكز الا على الردع المتبادل، على توازن القوى بين العرب واسرائيل، وعلى حسن الجوار في آخر الامر. فلا يمكن ان تستمر اسرائيل في الحفاظ على امنها الى الابد على حساب انعدام الامن لجيرانها - وهذه صيغة اتبعتها الحكومات الاسرائيلية والاميركية المتعاقبة عبر عدة عقود من الزمن.
ان كلفة استيلاء اسرائيل على الضفة الغربية لا يمكن حسابها. ولقد دفعها الفلسطينيون موتاً وحياة ممزقة، غير ان اسرائيل ايضاً تدفعها بتحويل مجتمعها وجيشها الى همج وفي خسارتها لسمعتها، وفساد ديبلوماسيتها بينما هي تتلاعب بالرأي العام الدولي وتتحايل وتسلك طرقاً معوجة لتتجنب مفاوضات قد تقتضي اعادة الاراضي الى اصحابها.
عندما اتهم النقاد السوفيات المتشددون وزير الخارجية السابق ادوارد شيفاردنادزة "بتضييع" اوروبا الشرقية، و"السماح" لالمانيا بالاتحاد، اجابهم متفكراً: "انه الثمن الذي يتوجب علينا دفعه لكي نصبح بلداً متحضراً". وهذا جواب ينبغي على اسرائيل ان تتأمله وهي تنظر في مصير الاراضي المحتلة التي تتألم رازحة تحت حكمها، وتجيش بالغليان.


كتاب " ابو نضال : بندقيه للايجار " بقلم الكاتب باتريك سيل  File-attachs-52196-100-80
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 

كتاب " ابو نضال : بندقيه للايجار " بقلم الكاتب باتريك سيل

استعرض الموضوع التالي استعرض الموضوع السابق الرجوع الى أعلى الصفحة 

مواضيع مماثلة

مواضيع مماثلة

صفحة 1 من اصل 1

 مواضيع مماثلة

-
» ابو نضال : الالغاز والاسرار
» عاصفة الصحراء ........بقلم ريكا غرانت
» عاطف ابو بكر ........العضو السابق في جماعه ابو نضال .......مراجعات
» التاريخ السرّي لحرب العراق.........بقلم يوسف بودانسكي
» الجيش الفليبيني يستلم بندقيه M4

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
المنتدى العسكري العربي :: الأقســـام العسكريـــة :: التاريخ العسكري - Military History :: الشرق الأوسط-